أثار انتشار ظاهرة "Looksmaxxing"، التي تقوم على السعي إلى تحسين المظهر الخارجي والوصول إلى معايير جمالية مثالية، مخاوف متزايدة لدى الأطباء والخبراء، بعدما تجاوزت حدود العناية الشخصية لتشمل ممارسات متطرفة قد تهدد الصحة الجسدية والنفسية، خصوصًا بين الشباب والرجال.
وبحسب تقارير طبية نشرتها نشرة "Megatrends & Medicine" التابعة لمنصة "Verywell Health"، بدأت هذه الظاهرة بالانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، حيث يروّج بعض صناع المحتوى لأساليب مختلفة لتغيير ملامح الوجه وتحسين شكل الجسم، ما أدى إلى تنامي الاهتمام بممارسات قد تكون خطيرة أو غير مثبتة علميًا.
من العناية الشخصية إلى الممارسات المتطرفة
تقوم ظاهرة "Looksmaxxing" على الاعتقاد بأن تحسين المظهر الخارجي بصورة مستمرة يمكن أن ينعكس إيجابًا على جوانب مختلفة من الحياة. إلا أن هذه الفكرة قد تتحول لدى بعض الأشخاص إلى هوس بالمظهر والسعي الدائم للوصول إلى معايير جمال غير واقعية.
وتنقسم الممارسات المرتبطة بهذه الظاهرة إلى فئتين أساسيتين، تختلفان من حيث طبيعة الإجراءات ومستوى المخاطر المحتملة.
"Softmaxxing".. تحسين المظهر بوسائل يومية
يشمل هذا الاتجاه الممارسات التي تهدف إلى تحسين المظهر من خلال تغييرات في نمط الحياة والعناية الشخصية، مثل اتباع روتين للعناية بالبشرة، والاهتمام بالنظافة الشخصية، وممارسة الرياضة.
لكن بعض الممارسات التي يُروَّج لها ضمن هذا الاتجاه قد تنطوي على مخاطر، خصوصًا عند استخدام الببتيدات أو المواد غير الخاضعة للرقابة الطبية بهدف تغيير البنية الجسدية أو تحسين المظهر، من دون استشارة مختصين.
"Hardmaxxing".. عندما يتحول التجميل إلى مخاطرة
يُعد هذا الاتجاه الأكثر إثارة للقلق، إذ يشمل إجراءات تجميلية دائمة أو ممارسات متطرفة تهدف إلى تغيير ملامح الوجه وبنية الجسم.
ومن أبرز الأمثلة المتداولة ممارسة تُعرف باسم "تحطيم العظام"، يلجأ فيها بعض الأشخاص إلى محاولة إحداث إصابات متعمدة في عظام الفك على أمل الحصول على ملامح أكثر حدة وبروزًا.
وتحمل هذه الممارسات مخاطر صحية جدية، تشمل الكسور غير المنتظمة وتلف الأعصاب والالتهابات، فضلًا عن احتمال حدوث تشوهات دائمة. ولا تُعد هذه الطريقة وسيلة طبية آمنة أو مثبتة لتحسين شكل الفك.
ارتفاع لافت في عمليات البحث عن "تحطيم العظام"
تعكس مؤشرات البحث حجم الاهتمام المتزايد بهذه الظاهرة، إذ تشير البيانات الواردة في التقرير إلى ارتفاع عمليات البحث على "غوغل" عن مصطلح "تحطيم العظام" بنسبة بلغت 5000%، بالتزامن مع زيادة عمليات البحث عن ظاهرة "Looksmaxxing" عمومًا بنسبة 40%.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن تأثير المحتوى المتداول عبر الإنترنت في تصورات الشباب عن الجمال، لا سيما مع انتشار مقاطع تقدم تغييرات المظهر الجسدي بوصفها طريقًا إلى زيادة الجاذبية والثقة بالنفس.
وقد تسهم هذه المحتويات في تشجيع بعض المستخدمين على تجربة أساليب غير آمنة، خصوصًا عندما تُعرض النتائج المزعومة من دون توضيح المخاطر أو الاستناد إلى أدلة طبية موثوقة.
اضطرابات نفسية ومعايير جمال غير واقعية
لا تقتصر المخاوف المرتبطة بظاهرة "Looksmaxxing" على الأضرار الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية وتقدير الذات.
فبحسب التحذيرات المشار إليها في التقرير، قد يرتبط الانشغال المفرط بالمظهر بمشكلات مثل اضطراب تشوه صورة الجسد، الذي يتمثل في انشغال شديد بعيوب ظاهرية قد تكون بسيطة أو غير ملحوظة للآخرين، إلى جانب انخفاض تقدير الذات والقلق المرتبط بالشكل الخارجي.
كما يمكن لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي أن تزيد من حدة هذه المشكلة، من خلال عرض محتوى متكرر يروّج لملامح جسدية محددة باعتبارها المعيار المثالي للجمال، ما قد يدفع المستخدمين إلى مقارنة أنفسهم باستمرار بصور معدلة أو نتائج يصعب تحقيقها بصورة واقعية.
ويحذر مختصون من أن تحول العناية بالمظهر إلى مراقبة مستمرة لكل تفصيل في الوجه والجسم قد يجعل الشخص ينظر إلى جسده باعتباره مجموعة من العيوب التي تحتاج إلى إصلاح دائم، بدلًا من التعامل مع العناية الشخصية بوصفها وسيلة للحفاظ على الصحة والراحة.
متى يتحول الاهتمام بالمظهر إلى مشكلة؟
يرى المختصون أن الرغبة في تحسين المظهر والاعتناء بالنفس أمر طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الشكل الخارجي محورًا أساسيًا للحياة اليومية، أو عندما يدفع الشخص إلى إجراءات خطيرة أو ينفق وقتًا طويلًا في مراقبة عيوبه ومقارنة نفسه بالآخرين.
ومن العلامات التي تستدعي الانتباه الانشغال المستمر بملامح الوجه، والشعور المتكرر بعدم الرضا عن المظهر رغم إجراء تغييرات متواصلة، واللجوء إلى ممارسات مؤذية بهدف تعديل شكل الجسم، أو تأثر العلاقات الاجتماعية والحياة اليومية بسبب القلق المرتبط بالمظهر.
وفي هذه الحالات، قد تساعد استشارة مختص في الصحة النفسية على فهم أسباب هذا الانشغال والتعامل معه بطريقة صحية.
الوعي الطبي في مواجهة هوس الجمال
مع اتساع انتشار ظاهرة "Looksmaxxing"، تبرز أهمية التمييز بين العناية الآمنة بالمظهر والممارسات التي تفتقر إلى الأساس العلمي أو تنطوي على مخاطر صحية.
ويؤكد هذا التوجه ضرورة عدم الانسياق وراء نصائح مجهولة المصدر أو تجارب متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا عندما تتعلق باستخدام مواد غير خاضعة للرقابة أو إحداث إصابات متعمدة لتغيير ملامح الوجه.
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في الرغبة في تحسين المظهر، بل في تحول هذه الرغبة إلى ضغط نفسي مستمر أو سلوك يهدد الصحة. فالعناية بالنفس ينبغي أن تدعم الثقة بالنفس وجودة الحياة، لا أن تتحول إلى سباق لا ينتهي وراء معايير جمالية غير واقعية.