تحت عنوان وزارة المرأة.. تبدأ رحلة الألف ميل، كتبت سابين الحاج في صحيفة "الجمهورية": إهمال العمل جدّياً على تحديث القوانين في لبنان خلال فترات خلت، جعلها متخلّفة لا تواكب العصر أو حتّى غير موجودة. وكم من الجرائم تغفل وجودها القوانين فلا تحدّد عقوبات لها ولا تذكرها حتّى على رغم انتشارها، بينما تشجّع قوانين أخرى الكثير من الجرائم من خلال التسامح مع الجاني وظلم الضحيّة المظلومة أصلاً. تحدَّث رئيس الوزراء سعد الحريري في البيان الوزاري عن أهمية تعديل القوانين وتحديثها، وأتى استحداثه وزارة دولة لشؤون المرأة كخطوة جادة تُثبت نيّة الحكومة في السعي للاعتراف بمزيد من الحقوق للنساء.
إنّ تطوير القوانين يمرّ حتماً بتحديث كلّ القوانين المتعلّقة بالنساء والتي تَعتبر بعضها المرأة مواطنة من الدرجة الثانية بينما تغفل أخرى حقيقة أنها إنسانة وأنّ حقوقها جزءٌ من حقوق الإنسان.
الدستور اللبناني يحفظ حقّ المرأة اللبنانية ويكرّسه، خصوصاً في المادة 7 منه والتي تنص على "أنّ كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون، يتمتّعون بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم"، ولكن حقيقة القوانين اللبنانية المتعلقة بالنساء مغايرة تماماً، هي مجحفة بحقّهنّ وتكرّس شتّى أنواع التمييز ضدهنّ.
قوانين غائبة
على سبيل المثال لا يزال لبنان دون قانون يعاقب على جرم التحرّش الجنسي في الأماكن العامة لاسيما في أماكن العمل، علماً أنّ التحرّش ليس غزلاً ولا إطراءً بل إنه ابتزاز وإهانات تطاول كرامة الإنسان، وتهديدات واضحة أو "مبطّنة"، وعنف، وجرم يُفترَض أن يعاقب عليه القانون.
العمل على قدم وساق
بهدف تحسين وضع النساء في لبنان انعقد منذ أيام مؤتمر "عمل النساء: نحو سياسات عامة تراعي النوع الإجتماعي" بتنظيم من مكتب وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان ومركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت ومركز "سمارت سنتر للإعلام والمناصرة"، وانبثقت عنه جملة توصيات ألقت الضوء على أهمية إقرار قوانين جديدة وتعديل قوانين قديمة، كانت وزارة الدولة لشؤون المرأة باشرت العمل عليها.
في حديث مع "الجمهورية" تتناول مستشارة وزير الدولة لشؤون المرأة، عبير شبارو أبرز أعمال الوزارة لافتةً إلى أنّ "مشروع القانون الأول الذي تقدّمنا به بناءً على طلب المجتمع المدني والهيئات النسائية وأقرّه مجلس الوزراء في يوم عيد المرأة العالمي في 8 آذار ينص على فرض عقوبات على جريمة التحرّش الجنسي، وقد أُحيل إلى مجلس النواب حيث يُنتظر إقراره".
وتتمنّى شبارو أن "لا يُعاد النقاش في خصوصه، لاسيما أنّ كل الكتل النيابية ممثلة في مجلس الوزراء وتمّ الأخذ برأيهم جميعاً عندما أُقرّ هذا المشروع". وتؤكد أنّ إصدار هذا القانون "يحمي النساء ويشجّعهن على العمل".
يُذكر أنّ انتشار التحرّش الجنسي في مجتمعنا وخصوصاً في أماكن العمل ليس نادراً، وتكشف إحصاءات أجرتها جمعية "قلْ لا للعنف" عام 2013 أنّ 39 في المئة من النساء العاملات في منطقة بيروت الإدارية يتعرّضن للتحرّش الجنسي، بينما بلغت نسبة التحرّش بالموظفات 33 في المئة في جبل لبنان، و29 في المئة في محافظة الجنوب.
الضمان
إلى ذلك، تلفت شبارو إلى أنّ وزارة الدولة لشؤون المرأة تقدّمت بمشروع قانون هدفه تفعيل عمل المرأة، وتعديل المواد المجحفة بحقها في قانون الضمان الاجتماعي. وينص قانون الضمان على بنود عدّة تكرّس التمييز ضد النساء ومنها أنّ "الزوج العامل المضمون يفيد زوجته من تقديمات الضمان الاجتماعي باب المرض والأمومة من دون شروط في حين أنّ الزوجة العاملة المضمونة لا تفيد زوجها إلّا في حال تجاوز الـ60 عاماً أو في حال كان مصاباً بعاهة". الهدف هو إقرار المساواة لتمكّن الزوجة العاملة والمنتسبة للضمان من إفادة زوجها غير العامل وغير المضمون وذلك من دون شروط.
وتقول شبارو: "هذا القانون أحالته الأمانة العامة لمجلس الوزراء على وزارة العمل والوزارات ذات الصلة به لتقدّم اقتراحاتها حوله، بعدها سيتمّ النقاش معهم حيث ستُؤخذ آراؤهم بعين الاعتبار ليطرح مشروع القانون هذا على مجلس الوزراء في وقت قريب".
في البلديات
تتحدّث مستشارة وزير الدولة لشؤون المرأة عن تقديم الوزارة اقتراح قانون يرفع التمييز عن النساء في الانتخابات البلدية. حالياً، قيد المرأة عندما تتزوّج يُنقل إلى مسقط رأس زوجها، فلا يحق لها بعد هذا الحين الترشّح للانتخابات أو الاقتراع في بلدتها الأم، علماً أنّ جميع معارفها من عائلة وجيران وأصدقاء في هذه البلدة، وأنّ الفوز في الانتخابات البلدية يتطلّب دعم العائلات.
صدور قانون عن مجلس النواب بهذا الشأن سيسمح للنساء اللواتي نقلن سجلّات قيد أحوالهنّ الشخصية من بلدة الى أخرى بعد الزواج، أن يترشّحن لعضوية المجلس البلدي في بلدتهنّ الأم، أو في قرية الزوج وذلك بناءً على اختيارهنّ. كما يتيح للمرأة التي تبوّأت منصب عضوة في مجلس بلدي أو رئيسة، وتزوّجت بعدها ونقلت قيد نفوسها الى سجلّ زوجها، ألّا تسقط عضويّتها حكماً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الممارسات المتّبعة حالياً في لبنان منافية للقوانين الدولية، خصوصاً أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادتين 21 و25 منه ينصّ على أنّ للمرأة المتزوّجة حريّة اختيار مكان سجلّ قيدها بعد الزواج.
الأبوّة
في لبنان تمتدّ إجازة الأمومة إلى 70 يوماً أي 10 أسابيع وهي غير كافية إذ تنصّ معايير منظمة العمل الدولية على منح المرأة إجازة أمومة مدفوعة لا تقلّ عن 14 أسبوعاً، بينما إجازة الأبوّة غير موجودة! وتدرس وزارة الدولة لشؤون المرأة مشروعَ قانون لا زالت تُحضّر مسودته، سيُمكّن الآباء من الحصول على إجازة أبوّة مدتها 3 أيام. وتأمل شبارو إنجاز هذا المشروع في وقت سريع، فيُقدَّم للأب في عيده في 21 حزيران المقبل.
في المصارف
لا زالت المرأة اللبنانية غيرَ قادرة حتّى على فتحِ حسابٍ مصرفيّ لأولادها القاصرين. قوانين الأحوال الشخصية في لبنان تضع وليّاً جبرياً على الولد، وهو ذكر، فلا يمكن للأمّ وحدها فتحُ حساب مصرفي لأولادها القاصرين، بل هي بحاجة لموافقة وتوقيع زوجها الذي يتحكّم بالحساب إلى حين بلوغ الأولاد.
عام 2009 سُمح للأمّ بفتح حساب ائتماني لأولادها القاصرين، والمستفيد منه القاصر عند بلوغه سن الرشد، أمّا صاحبة الحساب فهي الأم، علماً أنّ بعض المصارف المعدودة فقط تتيح للنساء فعلياً فتح هذا الحساب، الذي لا يمكّن الأمّ من سحب المال على هواها منه خصوصاً أنه مجمَّد إلى حين بلوغ الولد سن الـ18. تنظر وزارة الدولة لشؤون المرأة إلى هذا الواقع الرجعي والمهين بحق الأمهات، و"تعمل مع المصارف على أمل أن تمكّن النساء من فتح حساب لأولادهنّ القاصرين".
التسليع
بلغ تسليع المرأة في الإعلام حدّه، وباتت الوسائل الإعلامية تعرض جسدها للفت نظر الزبون وتسويق أيّ سلعة. لكبح هذه الممارسات، تدرس وزارة الدولة لشؤون المرأة إصدار ميثاق أخلاقي لوسائل الإعلام، وهي ستعمل على التعاون بهذا الشأن مع وزارة الإعلام.
في السياسة
تلفت المستشارة عبير شبارو إلى أنّ رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ووزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان لا يفوّتان فرصة للتشديد على ضرورة إقرار الكوتا لتمثيل النساء في السياسة بنسبة لا تقلّ عن 30 في المئة، ويُصرّان على تعزيز وجود النساء في المراكز القيادية من خلال تفعيل التوصية الصادرة عن حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2010 والتي تنصّ على تخصيص كوتا لوظائف الفئة الأولى والمؤسسات العامة ومجالس الإدارة.
في العمل
تؤكد شبارو أنّ النساء يشكّلن 26 في المئة من القوى العاملة في لبنان، بينما يصل عدد المتخرّجات من التعليم العالي إلى 54 في المئة من إجمالي عدد المتخرّجين. وهنا نتساءل: "ماذا تفعل النساء بعد أن يتخرّجن؟". تشير شبارو إلى أنّ السقف الزجاجي يمنع النساء من الوصول إلى الفئات الأولى والقيادية، وتعتبر أنّ السبب الرئيس لتسرّب النساء من ميدان العمل قد يكون الدور الاجتماعي التقليدي الذي يحدّ مهمّات النساء بالزواج والأعمال المنزلية والإنجاب وتربية الأولاد. وتشدّد على أنّ النساء بحاجة إلى الدعم لكي يستمررنَ وينجحن مهنياً في ظل التقاليد التي تعيق تقدّمهن.
قوانين رجعية وواقع مزرٍ
يُذكر أنّ ترتيب لبنان متدنٍ جداً على سلم المساواة. الفجوة بين النساء والرجال رمت ببلدنا في المرتبة 135 من 144 دولة بما يخص تمكين النساء على الصعيد الاقتصادي. تَقدّم لبنان يمرّ حتماً بتذليل العقبات التي تعيق تقدّم أكثر من نصف أبنائه، خصوصاً أنّ النساء يشكّلن عددياً أكثر من نصف المجتمع، وهنّ لسن ممثَلات سوى بنسبة 3 في المئة في المراكز القيادية أكان في البرلمان أو في مجلس الوزراء.
(سابين الحاج - الجمهورية)