وأنتَ تتصفّح كتاب "امرأة عذراء" للكاتبة اللبنانية ناريمان علوش، الصادر عن دار روافد، تهبّ عليك نفحاتٌ دافئة سخيّة، من أنفاس شاعرةٍ محمومة الأحاسيس، تتضرّج هاجساً بالعذرية المقدّسة بلغة مجتمعٍ بدائي، يلاحقُ جسَد المرأة بتعويذاته الشرّيرة، ليسنَّ الحكم عليه في حال تعثّره أو تعذّره.الكاتبة تنبذ هذا المفهوم الجاهلي من خلال إسدال لوحٍ من الشاعرية على روح المرأة التي تقتبس منها بأنّ عذرية الجسد تتلاشى أمام قلبٍ اقتحَمه حبٌّ سرى في شرايينه، فتفجّرَت دماؤه ينابيع وجدٍ وحنين، تشبِه دماء فتاةٍ عذراء في ليلة زفافها.
فالعذرية تُهتَكُ في حرم الزواج هتكاً مبيناً عندما لا تهبها الفتاة لمن تحبّ، والقلبُ يفقد عذريتَه عندما تعشق حبيبها حتى لو لم تهبْه جسدها. تعبيرٌ جريء يفتقد للتطبيق في مجتمع ساديّ لم يعِر التفاتاً لمحور المرأة وكينونتها.
الظلّ والنور
يحتوي الكتاب على قصص قصيرة، وبعض الخواطر النثرية، وهنا يضيعُ إحساس الشاعرة بين تفانيها في التعبير عن نداء الجسد ولظى القلب المستعر، وعن رغبتها في زجِّ قصصٍ قصيرة، تُسهب فيها شرحاً عن الذي يفيض في أعماقها، مبرِزةً نقائص مجتمعٍ كامل، تغنّى بعذرية الجسد، وأباح للقلب أن يُقحم ويَقتحم كلَّ الأماكن المحظورة والخطِرة.
ويتبلور تعبيرها بشفافية شبهِ صامتة، عندما تصفُ الرَجل بالظل، وتَنعت نفسَها بالنور، قائلةً: "ربّما خُلِقنا أنا وأنتَ لنبقى كالظلّ والنور، لا نفترق، لكنّنا لا نلامس بعضنا البعض أبداً، لا يهمّني أن نلتقي، المهمّ أنّنا معاً".
هذا النبذُ الجذّاب للغة الجسد، واستبداله بقاموس الروح، ينمّ عن حبٍّ لا يقرّ بالقوانين والشرائع والأعراف، بل يرقى لعالم مشِعّ بلازوردية الإحساس وذوبان النفس في النفس الأخرى. وإذا ما درَسنا لكبار الفلاسفة أمثال أرسطو، فقد اعتبَر الروح مرادفاً للكينونة ولم يَعتبر الروح كينونة خاصة تسكن الجسد.
على نقيض أفلاطون، الذي اعتبَر أنَّ الروح هي أساس كينونة الإنسان والمحرّك الأساسي له. وشرَح أنّ الروح تتكوّن من 3 أجزاء متناغمة وهي العقل والنفس والرغبة.
ثورة خانقة
في كتابها تتخبّط الكاتبة بثورةٍ خانقة، تجتاح كيانَ مفرداتها، لتتجرّأ وتخاطب الرَجل بغزلٍ عفيف، يكادُ يفضحُ خنوعَها الذاتي اللاشعوري لمجتمع العذرية الحمقاء، فللنورِ والديجور فصولٌ متدرّجة عبر قصصِها القصيرة، وخواطرها الثملة بنَهمِ التغيير لتقول في مقطع من خاطرة "أوبرا العشق الأزلي":
"عيناك!! إيحاءات شعرية... تثيرانني... فأخضع لهما بكلّ حواسي... بقلمي... بأناملي". الخضوع هنا يكون بالحسّ وليس باللمس، نبذُ الجسدِ يتّضح مليّاً في تلك العبارات المحتقنة بالعشق.
ثمّ تقول في خاطرتها "التعلّق والعبودية":
"التعلّق نوع من أنواع العبودية، يجتاحنا حتى الإدمان، يسكن دورتَنا الدموية، هو خضوع النفس والروح والجسد".
تأرجحٌ بين النشوة الكبيرة، والقشعريرة المريرة يثقِل كاهل الكتاب، فيضيع في يمٍّ متلاطم الوجع، لا يحتكمُ على الثقة المطلقة بالرأي. فكلاسيكية الآراء القديمة والحديثة تتراكمُ في مخيلتِها حتى تكادُ تتهاوى بين الإثنين.
والفكرُ الذي يرى من خلال العين، والقلب الذي يَخفق من خلال الفكر، أفكار فلسفية تضمّها الكاتبة في سطورٍ خافتة الضوء، تشبه ابتسامةً رقيقة، لا يميّزها البصر المجرّد. وكأنّها تسعى لهدفٍ لم يتّسع له قاموس كلماتها فهرَعت للقصص القصيرة ثمّ لخواطر نثرية ثمّ لعِبرٍ شخصية، وأخيراً لفطنةٍ ذاتية.
شغفُ الكاتبة بالقراءة هو أكثر من شغفِها بالكتابة، وهذا نستشفُّه من خلال سردِها لقصصٍ مرّت بها أو سمعت عنها، تأثّرَت بها، وتأوَّهت لأوجاعها، واستأثرَت بمغزاها الحقيقي.
ناريمان علوش، كاتبة رقيقة، تحتوي في داخلها على مشاعر هائلة لم تفصِح عنها بعد، ولم تنبش في صلب جذورها إلّا قليلاً، ولكنّها امتدادٌ لظلّ الخيال الذي يحيا فيها خافضاً جناحَ الوجع، عن آلام لعذرية جسد، سَحقها المجتمع بعقليته المحدودة، وهتافٌ لنداءٍ قلبٍ لم تبخل عليه يوماً بمشاعرها بل سرَدتها حيّةً في كتاب "امرأة عذراء".
(نسرين بلوط)