يتميّز مجتمعنا العربي بالاهتمام بالآخر وبالتعاطف مع الأقارب والأهل، خصوصاً المسنّين منهم. وتفضِّل معظم العائلات رعاية كهولها في البيت (بيت الإبن البكر) بدل نقلهم للمكوث في دار للعجزة، ما يزيد مسؤولية الوالدة. فكيف تتأقلم مع هذا الوضع؟ وكيف تساعد هذا المسنّ الذي يُعتبَر "مصدر البركة في العائلة"؟
الشيخوخة
عندما يتقدّم المرء في العمر، يتغيّر فيزيولوجياً، فتترهّل أنسجة جسمه المؤثّرة في عمل الخلايا وحيوتها، وتظهر الأمراض. وتصاب عضلة القلب بالضعف نظراً لقلة حركته والقصور في ضغط الدم، وتزداد إمكانية حدوث جلطة في شرايين القلب أو المخ... ويصاب المسنّ بأمراض في الجهاز الهضمي، وتنقص رغبته في الطعام وتتقلّص شهيته.
ويُلاحظ أنّ حاسة السمع لدى المسنّ تتراجع ويضعف بصره ولمسه وشمّه وذوقه. وفي هذه المرحلة، ينخفض مستوى عمل الجهاز العصبى المسؤول عن الذاكرة والكلام، وتزيد نسبة تعرّضه للعديد من الحالات والأمراض النفسية.
كيف تهتم الأم بالمسنّ؟
الإهتمام بمسنّ في البيت ليس سهلاً. ما يدفع الأم إلى تأدية دور الطبيبة والمساعدة الإجتماعية والمعالِجة النفسية في آن.
وتتطلب رعاية العجوز الخدمات التالية:
*
أولاً: الاهتمام بنظافته كلّ يوم، من خلال مساعدته في الاستحمام صباحاً ومساء (إذا أمكن)، وذلك بمساندة أحد أفراد العائلة أو الأقارب، ويمكن أن تتمّ الاستعانة بكرسي متحرك في حال كان المسنّ لا يستطيع الحراك بسهولة. الماء والصابون من أساسيات عملية الاستحمام، بالإضافة إلى تغيير ملابسه وغسلها باستمرار. وقد تؤدي قلّة النظافة إلى أمراض والتهابات.
*
ثانياً: المتابعة الطبية في البيت، حيث تهتم الأم باستمرار بقياس ضغط المسنّ ونسبة السكر ومراقبة حرارته.
*
ثالثاً: إستبدال سرير المسنّ بآخر طبّي خاص إذا كان يعاني عدم القدرة على الحراك في فراشه، فهذا يحميه من مرض قرحة الفراش.
*
رابعاً: تشجيعه على ممارسة القليل من التمارين الرياضية البسيطة جداً في حال كان وضعه الصحي والجسدي يمكّنه من التحرّك. لأنّ التمارين تساعده في تعويض نقص حركته.
*
خامساً: تعريضه للشمس والهواء وفتح نوافذ المنزل باستمرار.
دعم المسنّ نفسيّاً
لا تنحصر مساعدة المسنّ بالمعالجين النفسيين أو غيرهم من العاملين في المجال الإجتماعي فقط، بل تتمتّع الأم، مدعومة من أفراد العائلة، بمؤهلات شتّى تمكّنها من مساعدته.
تدعم السيدة أو الأم، المسنّ نفسيّاً من خلال إحاطته بالرعاية والحنان والعطف. فكلّ إنسان، مهما كبر، بحاجة إلى الشعور بحبّ الآخرين تجاهه وبدعمهم.
ويبقى الصبر مفتاح التعامل مع المسنّ، فلا يجب إجباره على القيام بما لا يريده، أو مناقشته حول رأي معيّن، لأنه لن يقتنع بوجهات نظرنا.
يهدأ المسنّ ويطمئن عندما نتحدّث معه ونجامله ونشكره ونصغي إلى قصصه وإلى ماضيه من دون إسكاته، خصوصاً أنه يكرر في بعض الأحيان أحداثاً قديمة جداً مرّ بها.
نشير إلى أنّ المسنّ بحاجة إلى مراقبة دائمة وإلى من يطمئن إلى وضعه باستمرار. ويمكن أن نشاركه النشاطات التي يحبّ ممارستها، ومنها: لعب الورق أو الداما، ونشاطات بسيطة كالطبخ وسماع الموسيقى الهادئة وقراءة كتاب جيد. ويستحسن إجابته عن جميع أسئلته خصوصاً المتعلقة بصحته الجسدية، لأنّ قلقه الدائم يدفعه إلى تكرار الكثير من الأسئلة حول وضعه.
محادثة المسنّ مهمة جداً، ولكن يجب التنبّه إلى أنه يعاني ضعف السمع والبصر غالباً، فعجزه يبعده عن متابعة أحداث الواقع، ويحرمه من سماع الأخبار أو قراءة الجريدة. لذا، من المجدي التحدث معه بصوت مسموع وإخباره عمّا يدور من حوله وقراءة الجريدة له أو العناوين الأساسية.
كما انه من الواجب الإمتناع عن مخاطبته بلغة الأمر أو بلهجة استخفافية، وتجنّب الصراخ بوجهه أو لومه على شيء ما اقترفه.
في الختام ندعو إلى الابتعاد عن السلوكيات السيئة مع الكهل، والتذكّر بأنّ الشيخوخة ليست سوى مرحلة إنتقالية من هذه الحياة الأرضية إلى الحياة السماوية. وحتى لَو ضعفت حواس المسنّ، وشَحّ نظره وخفّ سمعه، يجب التذكّر بأنه لا يزال يفهم ويدرك الأشياء لأنه يشعر ويحسّ.
ومن الضروري الانتباه الى طريقة التصرف مع المسنّ أمام الأطفال، فإذا كان الأبوان يحترمانه أمام أطفالهما، فهم أيضاً سيحترمونه على غرار الوالدين.
(الجمهورية)