كتب "فوراين أفيرز": في ظل تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن بسبب تايوان، يبدو أن الخبراء الاستراتيجيين من جميع الأوساط نسوا الاستنتاج الذي توصّل إليه الخبير الاستراتيجي الأميركي، توماس شيلينغ، منذ سنوات: لمنع الخصوم من اتخاذ خطوة ممنوعة، تبرز الحاجة إلى خليط من التهديدات الجدّية والضمانات الجديرة بالثقة، لكن بدل الاستفادة من ذلك الدرس، يدعو عدد متزايد من المحللين والمسؤولين
الأميركيين الولايات المتحدة إلى التعامل مع تايوان وكأنها دولة مستقلة، والتخلي عن سياسة "الغموض الاستراتيجي" القائمة منذ وقت طويل، وتفضيل "الوضوح الاستراتيجي" الذي يشير إلى
التزام غير مشروط باستعمال القوة العسكرية للدفاع عن
الجزيرة في حال تعرّضت للهجوم من بر
الصين الرئيسي. تصاعدت هذه الدعوات منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى أن بعض المحللين دعا إلى الاعتراف رسمياً بتايوان كبلد مستقل، ودعا آخرون أيضاً إلى نشر قوات أميركية دائمة في تايوان للتأكيد على جدّية الأميركيين حين يهددون بالرد عسكرياً على أي هجوم صيني، وفي السنة الماضية، أدلى إيلي راتنر، مساعد
وزير الدفاع لشؤون أمن المحيطين الهندي والهادئ، بشهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي، فألمح إلى أن الولايات المتحدة لن تسمح لبكين يوماً بالسيطرة على تايوان لأن هذه النتيجة تمنع الدفاع عن حلفاء
واشنطن في آسيا.
لكن قد يؤدي تعديل السياسة الأميركية وزيادة تركيزها على دعم انفصال تايوان الدائم عن بر الصين الرئيسي إلى افتعال هجوم ضد تايوان بدل منعه على الأرجح. يتطلب الردع مستوىً من المصداقية في عنصرَيه الأساسيَين: التهديد والضمانات المُطَمْئِنة، ويستلزم التهديد
الكشف عن تكاليف أي تحرك شائك والتعبير عن إرادة سياسية كافية لفرض تلك التكاليف، أما المواقف المُطمئنة، فهي تتطلب إقناع الطرف المستهدف، بطريقة جديرة بالثقة، بأنه لن يتعرض للاستغلال إذا امتنع عن اتخاذ الخطوة الشائكة. لا بد من ردع جميع الأطراف المعنية إذاً لتجنب الحرب في مضيق تايوان، وفي الحد الأدنى، يجب أن تمتنع تايوان عن إعلان استقلالها رسمياً، ويُفترض ألا تعترف واشنطن بتايوان كدولة مستقلة أو تُجدّد تحالفها الرسمي مع الجزيرة، أما بكين، فيجب أن تمتنع عن استعمال القوة العسكرية ضد تايوان لضمّها بالإكراه، ويُفترض ألا تواجه تلك الأطراف التهديدات عند تجاوز هذه الخطوط الحمراء فحسب، بل يجب أن تتأكد أيضاً من أن مصالحها لن تتكبّد خسائر كارثية إذا امتنعت عن اتخاذ تلك الخطوات الشائكة، فقد نجح الردع الثلاثي، لأكثر من 40 عاماً، في الحفاظ على السلام في أنحاء مضيق تايوان، لكنّ زيادة التوتر في الفترة الأخيرة أمعنت في إضعاف هذا الترتيب الهش أصلاً. للحفاظ على السلام والاستقرار في مضيق تايوان إذاً، يجب أن تسترجع الولايات المتحدة مصداقيتها لإطلاق التهديدات وفرض تكاليف معينة على بكين إذا قررت أن تهاجم تايوان، ويُفترض أن تقدّم ضمانات صادقة أيضاً لمنع تضرر مصالح بكين هناك، إذا امتنع بر الصين الرئيسي عن إطلاق هجوم مماثل، ولطرح تهديد جدّي، يجب أن تعيد الولايات المتحدة صياغة مكانتها العسكرية في شرق آسيا، وبدل الاتكال على حاملات طائرات هشة وعدد ضئيل من القواعد الجوية والبحرية الكبيرة والمُركّزة، يُفترض أن تكتسب واشنطن مكانة أكثر مرونة وقوة لدرجة أن تُصعّب على بكين عمليات الهجوم والتدمير.