رغم مرور سنوات على الاعتراف بها لغة رسمية في المغرب، لا تزال الأمازيغية في "وضعية قطار لم يقلع بعد"، بحسب توصيف ناشط أمازيغي مغربي تحدث لموقع "الحرة" عقب لقاء مع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش.
ولأول مرة، استقبل أخنوش الثلاثاء عددا من النشطاء في مجال الدفاع عن الثقافة الأمازيغية، لمناقشة سبل تفعيل القوانين الخاصة باستخدام الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، فضلا عن التحديات التي تواجه المشروع.
ويأتي لقاء رئيس الحكومة والناشطين في ظل انتقادات من جميعات أمازيغية لما يعتبرونه تهميشا للغة الأمازيغية بالرغم من الاعتراف بها رسميا، إذ لا يزال قطاع التعليم خاصة يعاني من نقص كبير في المعلمين المؤهلين لتعليمها.
"قرار مع وقف التنفيذ"
يقول الناشط الباحث في الثقافة الأمازيغية، أحمد عصيد، إن اللغة الأمازيغية في البلاد في "وضعية القرار الموقوف التنفيذ".
ويضيف عصيد في حديث لموقع "الحرة" قوله: "استطعنا تطوير الترسانة القانونية لبلدنا بدءا بالدستور الذي اعترف بالأمازيغية لغة رسمية، ونجحنا في إصدار قانونها التنظيمي منذ أكتوبر 2019، وأصدرت الحكومة الحالية ميزانية قدرها مليار درهم لخمس سنوات، لكن رغم كل هذه المرتكزات تراوح الأمازيغية مكانها داخل المؤسسات، وما زال كثير من المسؤولين يتعاملون معها حسب مزاجهم الفردي".
وينتقد عصيد التعامل مع الأمازيغية على أنها "لغة اختيارية، تستعملها إذا أردت ذلك وتتجاهلها متى لم ترد. وهذه عاقبة تطوير القوانين بدون تطوير عقليات الموظفين والمسؤولين الإداريين"، بحسب رأيه.
وشكل اللقاء، وفق بيان لرئاسة الحكومة، فرصة لنقاش استراتيجية الحكومة بشأن الأمازيغية، وخطة تفعيل إدماجها في الحياة العامة، وحضرت اللقاء غيثة مزور، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
وكتب رئيس الحكومة المغربية في تغريدة على
تويتر "سيتبع هذا اللقاء مجموعة من اللقاءات مع مختلف القطاعات الحكومية المعنية بهذا الجهود".
ورغم سنوات على الاعتراف بها في
الدستور، يقول الناشطون الأمازيغ إنها لا تزال ترواح مكانها، ويذهب أحمد عصيد إلى أن هناك مشكل العقليات وهناك أيضا نقص الموارد البشرية وعدم تكوين الأطر المؤهلة في هذا اللغة، ما يحول دون تلبية حاجات الدولة في هذا المجال.
ويضيف عصيد أن الدولة اليوم بحاجة إلى 18000 مدرس لكي تعمم الأمازيغية في التعليم، وهي لا تتوفر على هذا العدد لأنها لم تقم بتكوين مدرسين مختصين في هذه اللغة.
وفق معطيات أعلنها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة المغربي، شكيب بنموسى، في سبتمبر الماضي، قدر المسؤول الحكومي عدد المؤسسات التي يتم فيها تدريس الأمازيغية بـ3100 مؤسسة تعليمية، مشيرا إلى أن عدد المدرسين تجاوز ألف مُدرس.
في حين تقول الجمعيات الناشطة في مجال إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية، إن "بعض العقليات" تحول دون إدماج سلس للغة الأمازيغية، وتصدر من حين لآخر بيانات تدين تعثر هذا المشروع الذي انطلق عام 2003.
قلة الكتب والمدرسين
وفي بيان صدر في الثاني من أكتوبر، قالت جمعية أساتذة وأستاذات اللغة الأمازيغية بإقليم شيشاوة، وسط المغرب، إن الموسم الدراسي الجديد عرف "انتهاكات ضد تدريس اللغة الأمازيغية"، منها "اعتبار اللغة الأمازيغية لغة ترفيهية وتلاعب مدراء المؤسسات (بالوقت المخصص) للمادة حسب أهوائهم، بالإضافة إلى قلة الكتب المدرسية أو غيابها بشكل تام في بعض المؤسسات".
ولا يختلف وضع الأمازيغية في التعليم وفي مجالات أخرى عن قطاع الإعلام، ويرجع عصيد ذلك إلى غياب المحاسبة في هذا القطاع، ويشير في حديثه إلى أن "المشاكل أيضا عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة مثل تطبيق التزامات قنوات قطاع الإعلام دون أن يحاسبها أحد".
وأصبحت الأمازيغية لغة رسمية في الدستور عام 2011، وبعد عشر
سنوات من ذلك "لم يتم فعل أي شيء" وفق الناشط الأمازيغي، الذي يتهم ما يصفه بـ"الحزب الإخواني" في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة لولايتين، بإضاعة عشر سنوات دون القيام بشيء تجاه الأمازيغية ما عدا "إصدار القانون التنظيمي الذي بقي في
البرلمان سنوات قبل المصادقة عليه"، بحسب قوله.
لكن الناشط الأمازيغي، أحمد زاهيد، لا يرى تغيرا بعد سقوط العدالة والتنمية ومجيء حزب التجمع الوطني للأحرار. ويقول زاهيد في حديث لموقع "الحرة" إنه كانت هناك "قناعة كبيرة بأن التجمع الوطني للأحرار سيسر في الاتجاه الجدي والفعال لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ولكن مرور الأيام أظهرت أن هناك تباطؤا كبيرا لايختلف عن الوضع في الحكومات السابقة".
وأشار الناشط إلى أن الفاعلين الذين شاركوا في لقاء أخنوش أنفسهم لديهم هذه القناعة.
والتزم أخنوش بتخصيص الصندوق لـ"إدماج الأمازيغية في مجالات التعليم والتشريع والمعلومات والاتصال والإبداع الثقافي والفني، فضلا عن استعمالها في الإدارات وفي مجموع المرافق العمومية".
ويستعين نشطاء الأمازيغية بأرقام تؤكد أن وضعها لا يتناسب مع تصنيفها لغة رسمية في البلاد، ويكشف عصيد أن 9 بالمئة فقط من التلاميذ يدرسون الأمازيغية، "هذا بعد عشرين سنة من إدراجها في النظام التربوي".
ويقول عصيد إن نسبة البث بالأمازيغية في جميع القنوات التلفزية والإذاعية المغربية لا تتعدى 5 في المئة.
ومنذ 2010، خصصت قناة تلفزيونية مغربية عامة "تمازيغت تي في" للترويج للثقافة الأمازيغية.
"فقدت ثلثي الناطقين بها"
أما المؤشر الخطير، وفق عصيد، فجاء من المندوبية السامية للتخطيط في الإحصاء الأخير للسكان 2014، وهو أن اللغة الأمازيغية فقدت ثلثي الناطقين بها في خمسين سنة فقط بعد أن ظلت موجودة على الساحة لآلاف السنين بوصفها لغة الأغلبية الساحقة للسكان.
ونتيجة الإحصاء تقول إن عدد الناطقين بالأمازيغية في المغرب لم يعد إلا 27 في المئة بعد أن كان في بداية الاستقلال أزيد من 85 في المئة.
وللدفاع عن قضيتهم، يستند الناشطون إلى اعتراف دستور 2011 بلغتهم كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. لكن كان عليهم الانتظار حتى 2019 سنة لاعتماد القانون الأساسي. ويقضي النص باستخدام هذه اللغة في الوثائق الإدارية وتعميم تدريسها تدريجيا خلال 15 عاما.
ويقول أحمد زاهيد، عضو جمعية البيان الأمازيغي، لموقع "الحرة" إن هناك غيابا لرؤية واضحة لدى أصحاب القرار في "النقطة المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية".
على سبيل المثال، يقول زاهيد، إن المخطط الحكومي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يشير إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كآلية تساهم في هذه العملية خاصة في التعليم، والإعلام، وفي
القضاء وفي الحياة العامة، لكن في المقابل نجد قانون المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية "يغيب المعهد ويدمجه في هذه المؤسسة".
ووعد رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش خلال تقديمه لبرنامجه الحكومي أمام البرلمان في أكتوبر الماضي، بإحداث صندوق خاص لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بحلول عام 2025، بميزانية تفوق 100 مليون دولار.
ويقول عضو لجنة البيان الأمازيغي، أحمد زاهيد "للأسف لم نستطع لحد الآن أن نرقى إلى مستوى إرادة الحركة الثقافية الأمازيغية، والإرادة الملكية التي أكدت أكثر من 21 سنة على أن الأمازيغية مسؤولية الجميع وعلى أنها ملك لكل المغاربة من دون اسثتناء".
وفي انتظار تفعيل الأمازيغية في المؤسسات بشكل كامل، كانت واحدة من أبرز النتائج للمجتمع المدني الأمازيغي ظهور أبجدية التيفيناغ على المباني العامة، بالإضافة إلى اللغتين العربية والفرنسية.
ووفقا لإحصاء أجري في 2014، يستخدم أكثر من ربع المغاربة (26,7 بالمئة) البالغ عددهم نحو 35 مليون نسمة واحدة من اللهجات البربرية الثلاث في البلاد (التاريفيت والأمازيغية والتاشلحيت). "الحرة"