للوهلة الأولى تخالُها صوراً لإزمنة وعصورغابرة ولّت إلى غير رجعة، فتظن مخيلتك أنها مشاهد من الحرب العالمية الأولى. اقتحم الجراد المكان فأكل الأخضر واليابس، ولم يترك للأطفال كسرة خبز واحدة يُسكتون بها أمعاءهم الخاوية، فإذا بالواقع الملعون المرير القاسي والمؤلم يعيدك إليه، لتدرك مصعوقاً أن المشاهد هي للزمن الذي أنت فيه، ولبلدة تبعد بضعة كيلومترات عن حدود وطنك، فتعتقد أن هتلر تقمص من جديد ومعه كل طغاة العالم وجزاريه، اتحدوا جميعهم ليتفننوا في تعذيب البشرية، وليقدّموا نموذجاً إجرامياً غير مسبوق، ومن جديد يعيدك الواقع إلى مرارته، فتقتنع مرغماً بأن ما تراه وليد القرن الحادي والعشرين، أبطاله شبه أجساد تموت جوعاً وعطشاً وقهراً، فتُزحق الأرواح بوسيلة أشد فتكاً من البراميل المتفجرة، استنبطتها أدمغة أسياد الحروب.
فبعد اليرموك، مضايا والزبداني تحاكي ضمائر الحكام والمنظمات والأمم والمجالس والجمعيات في العالم أجمع، صرخة استغاثة من قبل من بقي على قيد الحياة، وأيّ حياة هذه التي تعاقب الأرواح البريئة من أطفال ونساء وشيوخ وشباب، وأيّ قدر ذاك الذي وضعهم في تلك البقعة الجغرافية، وأيّ لعنة حلّت بهم. هي لعنة الحروب والويلات التي تكثر مسمياتها ومبرراتها وأهدافها، وكذلك ضحاياها وتحصد في كل مرة ملايين الأبرياء.
بغض النظر عن هوية من اقترف تلك الجرائم، التي ما كان العالم ليعلم بها لولا نور إعلامي، فإن المطلوب من المنظمات الدولية بكلّ تسمياتها أن تتحرك على وجه السرعة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية معذبة، أو تقفل أبوابها وتعلن فشلها وتترك المهمة لله وحده . فطفل مضايا كإيلان تماماً لن يرحم تاريخكم وضمائركم .