لا يمكن لأحد أن يتهم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بأنها تثني بشكل مفرط على
المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، فقد أثارت تغريدة
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في 5 أيار بعض الدهشة، وجاء في التغريدة: "ترحب
الولايات المتحدة والمملكة العربية
السعودية ببدء محادثات ما قبل المفاوضات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في جدة".
وبحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، "عندما اندلعت أعمال العنف لأول مرة في السودان الشهر الماضي، أعرب بلينكن عن قلقه من أن الصراع على السلطة سيقوض "الجهود المبذولة لاستعادة الانتقال الديمقراطي في السودان". إن الوساطة السعودية لن تعالج مخاوف بلينكن بشأن الديمقراطية، وهذا أمر مفهوم. فحتى لو كانت السعودية تمثل ديمقراطية نموذجية، سيكون للمملكة أولويات أكثر إلحاحًا، بما في ذلك منع الحرب الأهلية السودانية، وبشكل عام، تحقيق الاستقرار في منطقة البحر الأحمر. إن الحقيقة المؤسفة هي أنه لا يوجد ديمقراطيون أو دعاة سلام في السودان".
وتابعت المجلة، "إن البلاد منقسمة بين قائدين متنافسين: عبد الفتاح البرهان قائد القوات المسلحة السودانية ومحمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي" وهو جنرال نافذ من غرب السودان وقائد قوات الدعم السريع. كلا الرجلين، مثل معظم السودانيين، من المتحدثين باللغة العربية، تمامًا كما الجهات الخارجية الرئيسية، كمصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ومن الضروري أن نأخذ في الاعتبار أن السياق السياسي الإقليمي - والتداعيات الناجمة عن المزيد من عدم الاستقرار - تمتد بعيدًا إلى
الشرق الأوسط. المصريون أقرب إلى البرهان، الذي تقع قاعدة قوته في
الشمال. ويساعد البرهان القاهرة في إدارة نزاع النيل مع إثيوبيا ويسيطر على بورتسودان، وهي جائزة استراتيجية في الصراع. وعلى النقيض من ذلك، يميل الإماراتيون نحو حميدتي، المنحدر من دارفور في الغرب، والذي يسيطر على مناجم الذهب في البلاد، التي توضع أرباحها، بشكل شبه حصري، في البنوك الإماراتية".
وأضافت المجلة، "أما في الولايات المتحدة، فالرأي السائد يؤيد معاقبة السودان على أمل فرض انتقال ديمقراطي. لكن علاقات
واشنطن مع مصر والسعودية والإمارات متوترة بالفعل. إن تهديدهم بالعقوبات سيزيد من نفور الحلفاء الضروريين للتعامل مع الأزمة والتقليل من حدة التوترات. الرهانات عالية. يخاطر السودان بأن يصبح ليبيا أخرى، وأن تدور حرب أهلية لا نهاية لها بين الفصائل المدعومة من الخارج. لا تخاطر الحرب الأهلية بتعطيل الاقتصاد الإقليمي فحسب، بل تهدد أيضًا بإعادة السودان ملاذا للإرهابيين. حينها، يمكن للإرهابيين تقويض الجهود الجارية حاليًا لتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل، كما ويمكن أن يشكلوا تهديداً لمناطق أبعد".
وبحسب المجلة، "كما هو الحال في ليبيا، ها هو
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضًا يستعد لاستغلال الصراع. من المؤكد أن حرب أوكرانيا قد كشفت عن نقاط ضعف مروعة في الجيش الروسي، لكن تدخلات بوتين في ليبيا وسوريا وأماكن أخرى علمته أنه عندما يتعلق الأمر بالدول الضعيفة والفاشلة، حتى عمليات الانتشار العسكرية الصغيرة يمكن أن تولد مكافآت جيوسياسية ضخمة، خاصة عندما تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها لأغراض متعارضة. ولبوتين شعبية كبيرة حاليًا في العديد من الدول الأفريقية بسبب أنشطة مجموعة "فاغنر". بات واضحاً أن بوتين يعمل بالتوازي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في إفريقيا لتقويض النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. معًا، يسعى الطرفان، من بين أهداف أخرى، إلى تشويه مكانة الولايات المتحدة باعتبارها اللاعب الاستراتيجي
الرئيسي في المنطقة والسيطرة على التجارة العالمية في السلع الثمينة والموارد الأخرى".
وتابعت المجلة، "يدرك الكرملين أن الوجود الروسي القوي في السودان من شأنه أن يمنحه مزيدًا من النفوذ على مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وأصبحت هذه الدول بالفعل، كل على طريقتها الخاصة، تبتعد عن واشنطن وتتحول نحو موسكو وبكين. في الواقع، كان إحياء العلاقات المتلاشية بين الاتحاد السوفيتي وكل من الشرق الأوسط وإفريقيا دائمًا جزءًا من خطة بوتين الاستراتيجية، والسودان يوفر بوابة لكلا المنطقتين. وفي الوقت نفسه، فإن النفوذ المتنامي لمجموعة "فاغنر" في دارفور يساعد موسكو على إنشاء ممر عبر السودان إلى المواقع الروسية الراسخة في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى".
وأضافت المجلة، "في بداية الحرب الأهلية السودانية، قدمت
روسيا الدعم لكلا الجانبين بذكاء. يتعامل الجيش الروسي مع برهان، بينما يساعد رئيس مجموعة "فاغنر" يفغيني بريغوزين حميدتي. كلا الجانبين أسرى لما يبدو، في الوقت الحالي، أنه انقسام عرقي لا يمكن جسره. إن احتمالية ظهور أحدهم كفائز حاسم في السيطرة على البلد بأكمله تقترب من الصفر. وبغض النظر عن الطريقة التي سينتهي بها الصراع، من المرجح أن تحتفظ روسيا بموطئ قدم. يتمثل الهدف الاستراتيجي الأساسي للولايات المتحدة في تقليص حجم موطئ القدم هذا والقضاء عليه، إن أمكن. لن تكون هذه المهمة سهلة، لكن فريق بايدن لديه شركاء يمكنهم المساعدة. تماماً كما الروس، يتعامل الإسرائيليون أيضًا مع كل من البرهان وحميدتي".
وختمت المجلة، "إذا وضع بايدن المحادثات التي توسطت فيها السعودية بين البرهان وحميتي في الإطار الاستراتيجي الصحيح، فسوف يراها كوسيلة للمساعدة في تقريب شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك
إسرائيل، من بعضهم البعض. يمكن أن تكون المحادثات أداة ليس فقط لتحقيق الاستقرار في منطقة البحر الأحمر ولكن لحرمان روسيا والصين من المنطقة".