ذكر موقع "
الجزيرة"، أنّ أكثر من 6 آلاف شخص، شاركوا أمس الخميس، في احتجاج أطلق عليه اسم "المسيرة البيضاء" تكريما لذكرى فتى يبلغ من العمر 17 عاما قُتل الثلاثاء الماضي على يد شرطي في منطقة نانتير بضواحي
العاصمة الفرنسية باريس.
وأدت هذه الحادثة، التي هزّت الشارع الفرنسي، إلى تسليط الضوء على الأحياء الشعبية في الضواحي والظروف الصعبة التي تواجه ساكنيها، خاصة من الشباب.
إسكان من دون تخطيط
ارتفع عدد المهاجرين من 1.7 مليون شخص عام 1946 إلى ما يزيد قليلا على 3.5 ملايين أوائل التسعينيات، وفق
المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية "إنسي".
وتوضح فيرجني مارتن، أستاذة العلوم السياسية وعلم الاجتماع في كلية "كيدج" للأعمال، أن تدفق السكان كان كبيرا جدا منذ نهاية الحرب الجزائرية، وهو ما أدى إلى بناء أحياء كاملة من دون تخطيط عمراني.
وتقول: "هذه الأحياء الممتدة على مساحات شاسعة تحولت إلى أماكن صعبة للغاية ومعزولة يعاني سكانها الفقر اقتصاديا وفكريا".
سياسة قديمة للعزلة
وترى مارتن أن "بلديات المدن التي تقودها الحكومة اليسارية حاولت تصحيح هذا الوضع بسياسة ترابطية قوية للغاية وضوابط شرطة محلية".
فعلى سبيل المثال، كان ضباط الشرطة منسجمين مع أفراد المجتمع في تلك المناطق ويلعبون
كرة القدم مع أطفال الحي. لكن اليمين، خاصة في عهد
الرئيس الفرنسي السابق
نيكولا ساركوزي، أنهى كل ذلك بين عامي 2005 و2010 وفُقدت همزة الوصل "لنغرق في هوامش جغرافية واجتماعية واقتصادية وسياسية"، على حد تعبير مارتن.
ولا يزال من الصعب تقييم أعداد السكان الذين يعيشون في الضواحي، لأنها لا تمثل معيارا إحصائيا لمعهد "إنسي" الفرنسي، لكن التقديرات تشير إلى أن نحو 20 مليون شخص يعيشون في ضواح موزعة على أكثر من 3300 بلدية.
ويصف المحلل الاقتصادي كميل ساري الأحياء عام 1977 عندما وصل لأول مرة إلى
فرنسا بقوله "كانت المباني السكنية متنوعة الثقافات، قبل أن تفرض الحكومة دفع أموال إضافية على الأشخاص ذوي الدخل المرتفع، وهو ما دفع الفرنسيين إلى شراء المنازل أو الانتقال إلى أماكن أخرى".
وأضاف ساري أن المهاجرين آنذاك شكلوا 30% من سكان الضواحي قبل أن يرتفع هذا الرقم كالصاروخ ليصل اليوم إلى 90%.
تهميش ممنهج
ومن الجدير القول إن الحكومات السابقة استثمرت مليارات اليوروهات لتحسين أوضاع الأحياء الشعبية من خلال تجديد العقارات السكنية وإنشاء الجمعيات.
لكن كل هذه الجهود، برأي المحلل السياسي، "لم تأتِ بنتائج إيجابية، لأن الجانب الإنساني كان مفقودا، ودمج الشباب في مجال العمل والتدريب كان منعدما"، مؤكدا أن "ما يحدث اليوم لا يتعلق بالمال، بل بالاندماج وقبول الآخر".
وفي هذا الإطار، يقول ساري إن الحكومة تعمدت استقطاب المهاجرين الذين يعيشون في الجبال وليس المتعلمين في المدن، لأنها كانت تخشى أن يصبحوا نشطاء أو أعضاء نقابات أو ينضموا إلى أحزاب سياسية.
وفي السياق ذاته، ترى مارتن أن الضواحي التي كانت تسكنها مجموعات مختلطة على أطراف المدن، أصبحت تعاني التهميش تدريجيا بعد أن قررت الحكومات المتتالية أن الأموال المقدمة للجمعيات فيها عديمة الفائدة وتتضمن أموالا مختلسة وغيرها، واصفة ذلك بـ"التشخيص الاجتماعي الخاطئ".
وتعتقد أستاذة العلوم السياسية أن شباب هذه المجتمعات يصعب فهمه "لأنه معقد ومختلط"، فحسب قولها "يمكن أن نرى امرأة تعيش في الضواحي وترتدي الحجاب وتؤدي 5 صلوات في اليوم، لكنها تدرس الهندسة وتعزف الموسيقى في المساء، وتذهب في إجازة إلى ستوكهولم".
وتشير مارتن هنا إلى شريحة واسعة من الفرنسيين لا يزالون ينظرون بطريقة نمطية لهذه الأحياء، لكنها تضيف أن هناك شريحة تعتبر أن سكان الضواحي لن يتطوروا أبدا ويضعونهم في خانة من يتحدثون بسوقية ويتعاطون المخدرات.