عندما كان قائد مجموعة "فاغنر" يفغيني بريغوجين يتوجه وقواته نحو موسكو، شعر الكرملين بالقلق ليس من هذه الخطوة فحسب، ولكن من إمكانية انتشار التمرد عبر الإمبراطورية الأجنبية الشاسعة التي أسستها المجموعة.
وبحسب مجلة "Foreign Policy" الأميركية، "تركز القلق تحديداً على
سوريا التي تشكل موطئ قدم لروسيا في منطقة البحر الأبيض المتوسط ولمجموعة "فاغنر"، التي بدأت عملياتها في المنطقة في العام 2015 ولا تزال هناك حتى يومنا هذا، تحت حجة حماية حقول النفط ومناجم الفوسفات التابعة للحكومة
السورية. وتمثل هدف الكرملين على ما يبدو في تعزيز أنشطة "فاغنر" الاقتصادية في ظل قيادة جديدة ومرنة ونقل رسالة إلى الخارج مفادها أن
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال في السلطة، ولا يزال مسيطرًا، ويمكن الاعتماد عليه كراع للأمن. ومع اندلاع التمرد، قُبض على ما لا يقل عن أربعة من قوات "فاغنر" الرفيعي المستوى من قبل الشرطة العسكرية الروسية وأجهزة المخابرات السورية في قاعدة حميميم الجوية التي تديرها
روسيا".
وتابعت المجلة، "تحدث مسؤول كبير في مجلس سوريا
الديمقراطية إلى المجلة شريطة عدم
الكشف عن هويته، وقال إن القوات الروسية عززت الأمن في قواعدها في دير الزور، المنطقة الأكثر ثراءً بالنفط في البلاد. في 26 حزيران، وصل نائب
وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين إلى دمشق في زيارة مفاجئة، وبحسب ما ورد طُلب من الحكومة السورية عدم السماح لمقاتلي "فاغنر" بمغادرة البلاد. وأشار بيان صادر عن مكتب الرئيس السوري بشار الأسد إلى أن وجود "فاغنر" في البلاد تمت مناقشته "في ضوء الأحداث الأخيرة"."
وأضافت المجلة، "ركز فيرشينين في خلال زيارته على طمأنة الحكومة السورية أن بوتين لا يزال في السلطة وسيساعد الأسد في تنفيض خططه للاستيلاء على إدلب، آخر جيب يسيطر عليه المتمردون على الحدود مع
تركيا. ولإثبات صحة أقواله، قصفت الطائرات الروسية مدينة في محافظة إدلب في 25 حزيران مما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل، وذلك بعد يوم من توسط الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في صفقة بين الرئيس الروسي وبريغوجين، مما وضع نهاية للأزمة الروسية في الوقت المناسب".
وبحسب المجلة، "ووفقًا لمصادر سورية عديدة، لم تكن هناك مؤشرات واضحة على انتفاضة في القواعد الروسية أو بالقرب منها، مما يشير إلى أن بريغوجين لم يفكر في كيفية التعامل مع التداعيات الدولية لخطوته الجريئة أو أنه تم التخطيط لها على أكمل وجه. في كلتا الحالتين، يعتقد الخبراء الروس أن عمليات "فاغنر" ستستمر، ربما تحت اسم مختلف وقيادة مختلفة. وقال دينيس ميرغورود، الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي، إنه بينما كان من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات واضحة حول مستقبل المجموعة، إلا أنه كان "من الواضح أن مثل هذا الكيان لا يمكن إلغاؤه وإزالته من المناطق الساخنة، بما في ذلك سوريا وليبيا والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي"، كما صرح للمجلة".
وتابعت المجلة، "قال ميرغورود إن معظم الشعب الروسي يؤيدون "فاغنر"، هم الذين رأوا أن المجموعة عملت من أجل أمن البلاد. واقترح المؤيدون أن تجد الحكومة حلاً يسمح للمجموعة بمواصلة القتال في
أوكرانيا، بدلاً من تفكيكها. وأضاف: "يأمل المجتمع الروسي في حل مشكلة عقود قوات مجموعة فاغنر وتطوير آلية للتفاعل بين الجيش الروسي النظامي وهذه الشركة العسكرية الخاصة". لكنه أشار إلى أن الأمر أصبح بين أيدي مقاتلي "فاغنر"، وقال: "بوتين قدم لهم ضمانات أمنية، عليهم اتخاذ القرار الصائب"."
وأضافت المجلة، "قال أنس القماطي، المؤسس والمدير العام الحالي لمعهد صادق في
طرابلس في ليبيا، إن "فاغنر"يمكن أن يستمر من دون بريغوجين. وقال: "فاغنر ليست مؤسسة تعتمد التنظيم الهرمي، إنما هي شبكة مستقلة من الجهات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل بشكل مشترك في ليبيا. لذلك، من السهل عليها الاستمرار من دون بريغوجين". وأضاف: "يمكن لبوتين أن يخنق بريغوجين من خلال طلب تجميد حساباته المصرفية وإغلاق شركات وهمية في الإمارات وإعادة توجيه المدفوعات من خلال كيانات بديلة"."
وختمت المجلة، "نسج "فاغنر" شبكة من الاتصالات في
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودعم الشركات الوهمية لنهب الموارد ليس فقط لنفسه ولكن أيضًا للنظام الروسي الخاضع للعقوبات. كما وعملت المجموعة كوكيل خارجي للدولة الروسية. يعتقد الخبراء أن الكرملين حريص على الالتزام بتعهداته إنما تحت قيادة مختلفة".