اختفى ضباط بارزون في الصين أو عُثر عليهم ميتين. وانتشرت شائعات عن فسادهم، واتهم بعضهم ببيع أسرار عسكرية لجهات أجنبية. وعلى إثر ذلك، عيَّن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، جنرالات جدداً في
قيادة الجيش الصيني، وتشدد في فرضه لشروط الولاء المطلق وسط تصاعد لخطابٍ عام يُشابه خطابات الحرب.
وفي هذا السياق، جاءت معمعة التغييرات التي طرأت في الأيام الماضية على "القوة الصاروخية
الصينية"، التي تعد وحدة النخبة المسؤولة عن ترسانة الصواريخ النووية الآخذة في التوسع في البلاد، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Times
البريطانية.
ونشرت
وسائل الإعلام الحكومية الصينية الأسبوع الماضي صورةً ظهر فيها الرئيس الصيني بوجهٍ جامد، وهو محاط بالجنرالات الذين ترقَّوا حديثاً، وعلى رأسهم الجنرال وانغ هوبين، القائد الجديد لقوة الصواريخ؛ وشو شيشنغ، المفوض السياسي للوحدة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه أول مرة يذهب فيها أعلى منصب بوحدة الصواريخ إلى شخص من خارج العاملين بها. وقد التُقطت الصورة قبل يوم واحد من ذكرى مرور 96 عاماً على تأسيس جيش التحرير الشعبي، ومع ذلك فقد بدا أن الجيش الصيني لديه من الأسباب ما ينغص عليه هذا الاحتفال.
لكن صحيفة The South China Morning Post، التي تصدر في هونغ كونغ، نقلت عن مصادر عسكرية قولها إن وحدة مكافحة الفساد التابعة للجنة العسكرية المركزية تحقِّق معهم.
لم تقتصر إجراءات التطهير على العاملين بأكثر وحدات الجيش الصيني حساسيةً وسرية، بل إنها تأتي بُعيد الاختفاء المجهول سببه لوزير خارجية الصين، كما تأتي في غمار التصاعد المفاجئ لهوس السلطات الصينية بالحديث عن مواجهة التجسس الأجنبي، على حد تعبير الصحيفة البريطانية.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه البلاد تحولاً طموحاً نحو تعزيز قدراتها النووية. وتشير أحدث البيانات الصادرة عن منظمة "اتحاد العلماء
الأميركيين" غير الحكومية، إلى أن الصين تمتلك 410 صواريخ نووية، أما
الولايات المتحدة فلديها 5244 صاروخاً نووياً، وروسيا لديها 5889 صاروخاً نووياً، وبريطانيا لديها 225 صاروخاً نووياً.
وبناء على ذلك، يقول خبراء إنه من الصعب على الصين أن تلحق بركبِ الدول المتصدرة لهذا السباق. لكن المنظمة اكتشفت باستخدام صور التقطتها الأقمار الاصطناعية أن الصين تبني حقلاً واسعاً لصوامع الصواريخ النووية في المنطقة الصحراوية غربي البلاد.
يأتي ذلك في أعقاب تقرير لمركز "جيمس مارتن لدراسات الحدِّ من الانتشار
النووي" الأميركي، كشف فيه عن صوامع نووية أخرى أنشأتها الصين حديثاً. وقال اتحاد العلماء الأميركيين إن الصوامع المكتَشفة "أهم توسع للترسانة النووية الصينية في تاريخ البلاد".
وقال الأدميرال تشارلز ريتشارد، رئيس القوات النووية الاستراتيجية الأميركية: "من المتوقع أن يتضاعف مخزون الصين من الأسلحة النووية – ثلاث أو أربع مرات- خلال العقد المقبل".
تشير هذه المساعي إلى تحول كبير في الموقف النووي الصيني، إذ اكتفت الصين بـ"الحد الأدنى من الردع" منذ أن فجرت قنابلها النووية الأولى في الستينيات. وعلى الرغم من غموض هذا المفهوم، فقد شاع تفسيره بأنه الحفاظ على الترسانة النووية عند الحد الأدنى الضروري لردع أي هجوم.
في غضون ذلك، فإن الاستيلاء على تايوان وردع أمريكا عن مساعدة
الجزيرة أمران يقعان في صدارة اهتمام الحزب الشيوعي الصيني. وقد أشار خبراء الشؤون الاستراتيجية المعنيون بدراسة حرب
أوكرانيا إلى أن حلف الناتو تجنَّب التدخل المباشر لمنع التصعيد النووي مع
روسيا. وهو ما دفع المسؤولين في بكين إلى مزيد من المطالبة بتعزيز سريع لقدرات البلاد من الأسلحة النووية.
وتتولى القوة الصاروخية كذلك إدارة الصواريخ التقليدية الصينية، ومنها الصواريخ المتقدمة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت. وتذهب التقديرات إلى أن الجيش الصيني لديه ما لا يقل عن ألفي صاروخ تقليدي موجَّه إلى تايوان، وهذه الصواريخ سيكون لها دور بارز في أي غزو عسكري تُقدِم عليه الصين، أو إذا أرادت تدمير أهداف في الجزيرة، وأيضاً في الهجمات على حاملات الطائرات الأميركية والقواعد العسكرية بالمنطقة.
من جهة أخرى، لا يُعرف بعدُ إذا كانت التغييرات في وحدة الصواريخ النووية يجمعها رابط ما باختفاء
وزير الخارجية تشين غانغ، الذي اختفى منذ 25 حزيران، ثم حلَّ محله وانغ يي. وقد دارت تخمينات كثيرة عن أسباب التخلص منه، أحدها أن عشيقته كانت عميلة لجهة أجنبية.
واشتهر الجيش الصيني في السابق بالفساد. إذ كانت تديره شبكة واسعة من الشركات، وبدا آنذاك أن ضباطه يهتمون بكسب المال أكثر من اهتمامهم بالاستعداد العسكري. لكن لمَّا تولى الرئيس شي السلطة في عام 2012، جعل من تطهير الجيش من الفساد وغرس الولاء لنفسه وللحزب شغله الشاغل. فقد رأى أن هذه الأمور متطلبات أساسية لتحويل الجيش الصيني إلى قوة حديثة ومحترفة. وتدل عمليات التطهير الأخيرة على أن هذه التدابير لا تزال جارية، وأن المخاطر صارت أكبر من أي وقت مضى.