مرّ عامان على سقوط كابول، ومع ذلك، قد يبدو الانسحاب الكارثي للولايات المتحدة من أفغانستان وكأنه جرى منذ زمن بعيد، لا سيما بالنظر إلى أن العديد من الأزمات الأخرى، المحلية والدولية، قد نشأت منذ ذلك الحين. إذاً، يمكن الجزم الآن أن عواقب هذا الأمر كان لها تأثير طويل الأمد.
وبحسب صحيفة "The Telegraph"
البريطانية، "داخليا، اصطحب استيلاء طالبان على أفغانستان بترويج إعلامي يزعم أن الجماعة قد تغيرت، خاصة بعد محاولة اقناع العالم أن طالبان ستشكل حكومة جديدة مسؤولة وقادرة، وستحترم حقوق المرأة، كما وستسامح أولئك الذين قاتلوا ضدها. بالتأكيد، هذه ليست نفس حركة طالبان في التسعينيات، إنما هي أخطر بكثير. بعيداً عن الشق العسكري، أظهرت الحركة أنها بارعة في دمج التكتيكات غير العسكرية في ترسانتها، كما وأظهرت بالفعل أنها بارعة في ما يتعلق بوسائل الإعلام، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الواقع، ساهمت الصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها الحركة والتي تظهر قوات تابعة لها وهي تتذوق الآيس كريم في كابول أو تمارس التمارين من داخل الصالات الرياضية في ترسيخ فكرة أن هذه الجماعة، التي لطالما وصفت بالتطرف والتشدد، قد تغيرت نحو الأفضل".
وتابعت الصحيفة، "إلا أنه سرعان ما أظهر الواقع في أفغانستان زيف مزاعمهم. إن حقوق المرأة التي ترسخت في البلاد على مدى عشرين عاماً تلاشت تدريجياً، سواء في التعليم أو العمل أو الحياة الاجتماعية. وتمكنت حركة طالبان من ترسيخ هذا الأمر من خلال اتباع سياستها القمعية الخاصة. أما خارجياً، فمن الصعب المبالغة في الضرر اللاحق بالمصالح الغربية. إن التدخل في أفغانستان، الذي بدأ كمحاولة للقضاء على الجهاديين الذين يقفون وراء هجمات 11 أيلول، سرعان ما تحول إلى مناورة خفية أخرى لتغيير النظام".
وأضافت الصحيفة، "في الواقع، كان يجب أن تكون التجربة السوفيتية الكارثية في البلاد بمثابة تحذير للولايات المتحدة. عادة ما تستند التدخلات الناجحة، وخاصة تلك التي تهدف إلى تعزيز
الديمقراطية، إلى أن الدولة التي تعرضت للغزو تتمتع بهوية وطنية، وتجانس ثقافي، وبعض الاتصالات مع دولة القانون. وغالباً ما تتسم هذه التدخلات بالفشل في الدولة التي تتمتع بأي من هذه المزايا، والتي تشهد انقسامات دينية وعرقية عميقة وتكون فيها الطبقة الحاكمة غارقة في الفساد. هذا الأمر مهّد الطريق لانسحاب الرئيس الأميركي
جو بايدن السيء في آب 2021، والذي ساهم في تغيير الوضع من سيء إلى أسوأ".
ورأت الصحيفة أن "الرسالة التي نقلتها الفوضى كانت بمثابة ضوء أخضر للرئيس الروسي
فلاديمير بوتين. لقد فسر الأخير الانسحاب على أنه إظهار للضعف الأميركي، وعلامة على الانعزالية، وبالتالي خلق مساحة له ليذهب بعيدًا إذا رغب. بعد كارثة أفغانستان، شعر بوتين بالثقة في أنه يمكنه المضي قدمًا في غزو
أوكرانيا من دون أي خوف من العواقب العسكرية في ما يتعلق بالتدخل
الغربي. في الواقع، ليس من المبالغة القول إن غزو أوكرانيا بدأ في كابول، فقد تكثف حشد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا بشكل كبير بعد انسحاب آب 2021".
وبحسب الصحيفة، "من الناحية النفسية، فإن نفوذ
الولايات المتحدة في العالم النامي، الذي كان يتراجع بالفعل في ظل زيادة نفوذ الصين، تلقى ضربة أخرى بعد الانسحاب من كابول. إن الغزوات الاقتصادية للصين، وإدخال الدول الأفريقية في برنامج البنية التحتية الخاص بها، "مبادرة الحزام والطريق"، تتفوق الآن على التجارة الأميركية والاستثمار في إفريقيا. وتعمل
روسيا أيضًا، من خلال مجموعة "فاغنر" الروسية، على توسيع نطاق وجودها في القارة على حساب الولايات المتحدة، والذي أصبح يشمل اليوم مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان وليبيا".
وأشارت الصحيفة إلى أنه "هناك تقارير تفيد بأن قوات "فاغنر" قد تدخل النيجر بهدف تقديم الدعم لقادة الانقلاب الذين اعتقلوا الشهر الماضي وعزلوا الرئيس المنتخب ديمقراطيا، محمد بازوم. وأعرب
وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، هذا الأسبوع عن قلقه من مثل هذا الاحتمال، وقال: " أينما وجدت قوات "فاغنر"، وجد الموت والدمار والاستغلال"."
وختمت الصحيفة، "المشكلة هي أنه بعد الهروب من كابول، لا أحد يعتقد أن الولايات المتحدة لديها الشجاعة لفعل أي شيء".