جميع مواطني الدولة خاضعون لمراقبة "شرطة الأفكار"، ومن يغضب السلطات يختفي أثره تماماً بعد أن تدمر الدولة أي دليل على وجوده.
الإسرائيليون يخشون من تحول بلادهم إلى هذا المسار في ظل سعي الحكومة اليمينية توسيع نفوذها، عبر تقويض سلطة واستقلالية
القضاء. فما علاقة ذلك بوزير
الأمن القومي إيتمار بن غفير، ولماذا يثير إصراره نشر الكاميرات مخاوف الإسرائيليين بدلاً من طمأنتهم، باعتبار الكاميرات هدفها المعلن "جعل الشوارع أكثر أمانا"؟
ما هي المخاوف؟
قريباً جداً ستصبح جملة "الأخ الأكبر يراقبك" أكثر من مجرد شعار للإسرائيليين، بعد تمرير وزيري الأمن والعدل إتمار بن غفير وياريف لفين لمشروع قانون جديد في اللجنة الوزارية للتشريعات يعطيهما القدرة على استخدام كاميرات التعرف على الوجوه ضد المواطنين، بحسب صحيفة جيروزاليم بوست.
القانون يتيح مراقبة الأماكن العامة على مدار الساعة بحجة منع وإحباط واكتشاف الجرائم الخطيرة وتحديد أماكن الأشخاص المفقودين وفرض أوامر الحظر والتقييد.
وفي أي لحظة تلتقط الكاميرا صورة شخص، تعطي إشعاراً لضباط الشرطة لاتخاذ الإجراء المناسب. كذلك، تستطيع السلطات البحث عن أشخاص بعينهم في تسجيلات قديمة لتلك الكاميرات لمعرفة كل خطوة وكل مكان ذهبوا إليه.
وفي الوقت الذي تستمر فيه محاولات بن غفير للسيطرة على جهاز الشرطة والتحكم فيه على هواه، أضاف الوزير بنداً للقانون يتيح وضع كاميرات التعرف على الوجوه المحمولة في مناطق المظاهرات بشرط اقتناع ضابط شرطة بأن "تشغيل الكاميرا البيومترية لا يرقى لمستوى انتهاك غير مبرر لخصوصية أي فرد"، وفقاً لصحيفة هآرتس.
ضد الفلسطينيين أولاً
في
الخليل، الشوارع مقسومة لقسمين. قسم فسيح نظيف وبلا أي عوائق للمارة من الإسرائيليين والأجانب، وآخر ضيق كئيب متسخ ومليء بالحواجز للفلسطينيين.
فعلياً، إذا أراد فلسطيني العبور من تلك الحواجز، فإن عليه الخضوع لكاميرات التعرف على الوجوه في نظام يسمى "بالذئب الأحمر" بدون إذنه أو معرفته. هنا، الكاميرا تقارن وجه الفلسطيني بقاعدة بيانات مخزنة مسبقاً لتقرر إذا كان مسموحاً له العبور أم لا، ولتسجل وقت وزمن دخوله وخروجه من المنطقة.
في الواقع، يعد هذا برنامجاً تجريبياً جديداً لأتمتة الحواجز
الإسرائيلية فيما تسميه منظمة العفو الدولية "نظام الفصل العنصري الأوتوماتيكي".
في الوقت نفسه، يوجد برنامج آخر يسمى "الذئب الأزرق" يستعمله الجنود الإسرائيليون في كامل الضفة منذ أعوام، وهو موجود على الهواتف والأجهزة الإلكترونية التي يحملها الجنود والذي يحصلون على نقاط كلما أجروا مسحاً لوجوه أكثر من الفلسطينيين.
بهذا الشكل، تحاول السلطات الإسرائيلية تخويف الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والسيطرة عليهم عبر مراقبة جميع تحركاتهم اليومية وإشعارهم بأنهم تحت عين "الأخ الأكبر" طوال الوقت.
الإسرائيليون.. الهدف التالي
قانون مراقبة الإسرائيليين بالكاميرات البيومترية ليس بالأمر السهل، فالعديد من الإسرائيليين ينظرون باعتباره كانتهاك خطير لخصوصيتهم وخطوة أخرى على مسار تقويض
الديمقراطية الليبرالية، وفق ما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
لذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية تسوق للقانون على أنه أمر ضروري لمحاربة الجريمة في
إسرائيل بحسب صحيفة |تايمز أوف إسرائيل".
وينصّ مشروع القانون صراحةً على أنه بالإضافة لمحاربة الجرائم الخطيرة، فإن الهدف أيضاً هو محاربة جرائم الابتزاز التي تقول الحكومة إن بعض العصابات تفرضها في المدن العربية على أصحاب المحال التجارية.
مفوض الشرطة
الإسرائيلي وصف مشروع القانون بأنه "أداة لإنقاذ الحياة" ومحاربة "الجريمة المنظمة" في الأوساط العربية، في ظل تسجيل العام الجاري مقتل أكثر من 166 مواطن إسرائيلي من أصول فلسطينية عربية.
"شبح" للمتظاهرين الإسرائيليين
تخيل نفسك خارج المنزل ويمشي خلفك ضابط شرطة يراقب كل خطواتك؟ قد تشعر بالقلق لكنك ستكون أكثر انضباطاً في تصرفاتك ومراقبة ذاتك.
هذا أيضاً أحد مخاطر كاميرات التعرف على الوجوه التي تستطيع رصد مكانك وسلوكك في أي لحظة وهو ما دفع جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل (ACRI) للقول إن القانون الجديد يعمل على إضعاف الديمقراطية في البلاد.
وأضافت الجمعية في بيان نقلته "هآرتس" بأنه "عندما يعرف شخص أنه تحت أعين الأخ الأكبر، فإنه يسيطر على نفسه ويخشى التصرف بشكل طبيعي: فهو يخشى الذهاب إلى المظاهرات، ويخشى المشاركة في التجمعات السياسية".
كاريف جلعاد النائب في الكنيست عن حزب العمال المعارض سارع لإدانة القانون على تويتر ووعد بإفشاله قائلاً: "قانون متطرف وخطير".
عقوبة السجن للضباط المستغلين
لطمأنة الجمهور الإسرائيلي تعهد وزير الأمن الإسرائيلي بفرض عقوبة بالحبس قد تصل لثلاث سنوات على أي ضابط يستغل الكاميرات خارج أغراضها الرسمية المتعلقة بـ"الجرائم الخطيرة" والابتزاز.
وقال بن غفير إن القانون "دقيق ومتوازن" مجادلاً بضرورته بسبب "ارتفاع أعداد جرائم القتل في المجتمع العربي".
وأضاف الوزير المتطرف المدان سابقاً بجرائم دعم منظمة إرهابية وتحريض عنصري: "سنبذل كل ما في وسعنا لمنع الاستخدام غير السليم للكاميرات، ولهذا وضعنا عقوبة السجن، واقتصر استخدامها على الحالات الخطيرة".
وبالمثل، قال رئيس جهاز الشرطة كوبي شبتاي بأن مشروع القانون المقترح يمثل "توازناً بين ضرورة الحفاظ على حياة الإنسان وأهمية حماية الحقوق الفردية".
لا رقابة جادة
بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فإن القانون بنسخته الحالية لا يوفر سوى مبادئ توجيهية إشرافية فضفاضة، ويمنح الشرطة سلطة واسعة لنشر كاميرات التعرف على الوجه في الأماكن العامة.
صحيح أن القانون يستثني المظاهرات بشكل صريح من الأماكن العامة، لكنه يتيح لأي ضابط شرطة استخدام كاميرات بيومترية محمولة لمراقبة التظاهرات عند الضرورة.
علاوة على ذلك، وفقاً لمشروع القانون، فإن الشرطة هي المسؤولة عن الإشراف ومراقبة نفسها في استخدامها للكاميرات، أي أنه لا توجد جهة رقابية مستقلة لمنع إساءة استخدام تلك التكنولوجيا.
القانون فقط يلزم الشرطة بتقديم تقارير سنوية إلى الكنيست والمدعي العام حول استخدام الكاميرات بشكل عام وأن يقوم الضابط المصرح له بتقييم أماكن الكاميرات مرة في السنة لاتخاذ قرار بشأن إزالتها أو الإبقاء عليها.
(بلينكس - blinx)