عرفت الأسوار والتحصينات عبر التاريخ كجزء من الحماية والدفاع ضد الغزوات، والتاريخ شاهد على الكثير من المدن المسوّرة التي لا تزال بقاياها تذكّر بالماضي.
أما اليوم، وبعد التبشير بالعولمة فقد أصبحت الحدود الدولية مهددة بالزحف والتماهي بالآخر، ولم يعد للأسوار تلك الهيبة. وفي ظل التطورات السياسية والجغرافية قد تكون العودة إلى بناء الجدران العازلة كنوع من الدفاع والانعزال عن الآخر، وبالتالي محاولة للدفاع من الهجمات البرية، وعادت الكثير من الدول إلى تلك الفكرة التاريخية عبر بناء الجدران العازلة، والأمثلة كثيرة على هذا الصعيد.
مدينة بغداد، التي تعتبر من المدن التاريخية المسوّرة، تخلت عن تلك الجدران، لكن ها هي تعود لتلك الحقبة من التاريخ في ظل التحديات الأمنية التي تعانيها في محاولة لصد الإرهابيين. وهناك من يعتبر أن ما يحصل هو لـ"التحصين"، وغيره يعتبر ذلك محاولة لعزل بغداد عن الخارج، عبر مشروع بناء سور وخندق في محيط يبلغ 250 إلى 300 كيلومتر، بالإضافة إلى عدد من المداخل بهدف السيطرة على حركة الداخلين إلى العاصمة في محاولة لحفظ الأمن.
وقد أثار بناء الجدار جدلاً سياسياً بين مختلف المكونات السياسية، على اعتبار أن هناك قوى تعتبر الجدار بمثابة عمل وقائي وأمني، بينما قوى ومكونات سياسية تعتبر ذلك بمثابة مشروع عزل طائفي.
للوقوف على هذا المتغير في الحياة السياسية في العراق والجدل الذي أثاره بناء الجدار، قال النائب عن "دولة القانون" المنضوية في "التحالف الوطني» عدنان الاسدي، لـ "السفير"، إنه «تم طرح هذا المشروع على شركات تهتم بالدراسات الاستشارية، وتم تحويله إلى شركة "سي اس"، وهي شركة استثمارية فرنسية تعاقدت مع وزارة الاتصالات آنذاك، بتوجيه من مجلس الوزراء لوضع دراسة أمنية لحماية بغداد، لكن تم تأجيل الدراسة بسبب عدم دفع المستحقات للشركة، إضافة إلى أن عمليات بغداد كانت في فترة سابقة تريد القيام بهذا الجهد، ولكن تطورات الوضع الأمني حالت دون ذلك".
وأضاف الأسدي، العضو في لجنة الأمن والدفاع النيابية، أنه "بسبب اتساع المنطقة، وانفتاحها على باقي الأراضي العراقية، فان هذا السور جزء منه عبارة عن حواجز إسمنتية والجزء الآخر عبارة عن خندق مائي، بالإضافة إلى المراقبة عبر المناطيد، بالإضافة إلى حدل الطرق الجانبية، والقيام بوضع أبراج للمراقبة".
وأوضح أن "هناك دراسة لتغطية بعض المساحات بالكاميرات من اجل السيطرة وكشف الخروقات الأمنية، عبر وضع خطة لمراقبة مداخل العاصمة ومخارجها"، لافتا إلى أن الخروقات بدأت تتلاشى وهذا أصبح بادياً في العاصمة.
وقال الاسدي "إن هذا المشروع يهدف إلى الحفاظ على أمن المواطن، وليس لعزل المدينة أو تقطيع أوصالها كما يشاع، وإنما عبارة عن توحيد مداخل العاصمة ومخارجها ووضع سيارات كاشفة وأجهزة حديثة، وستكون هناك بوابات مجهزة بسيارة سكانر متطورة للسيارات الصغيرة، والبعض الآخر للشاحنات".
ونفى الأسدي أن "يكون هذا المشروع سياسياً، بل هو مشروع امني بحت، وخضع لدراسات مطولة في السنوات الأخيرة"، ويهدف لحفظ أمن العاصمة وليس لحصر جهة سياسية معينة، خاصة ان بغداد لا تمثل فئة بعينها، أو طائفة أو مذهب محدد. واعتبر أن "السور لن يحدث أي تغيير ديموغرافي في بغداد".
وأشار الاسدي إلى أن "قلق القوى السياسية يصبح مشروعاً أو مبرراً إذا كان الهدف سياسياً، لكنه مشروع امني صرف، ولا صحة للشائعات حول عزل المحافظات الجنوبية أو الغربية أو الشرقية، كما لا يمس بأية علاقة بالتحالف الوطني أو أي مشروع سياسي آخر". وبيّن أن "الجهات والفرق العسكرية والكتائب الهندسية العراقية، هي التي تقوم بهذا الجهد وبأقل كلفة ممكنة. وهي تابعة لوزارة الدفاع وقسم من وزارة الداخلية التي لديها معدات العمل المختلفة، وسوف يتم تقسيم بناء السور على الفرق، قد يستغرق تنفيذ هذا المشروع مدة سنة أو اقل أو أكثر". ونفى أن «يؤدي السور دوراً في قطع العلاقات أو المواصلات مع منطقة الصبيحات وكرمة الفلوجة واليوسفية أو غيرها من المدن".
بدوره، حذر عضو لجنة اﻷمن والدفاع البرلمانية محمد الكربولي من "مغبة" مشروع سور بغداد اﻷمني، مؤكداً انه "يعيد ترسيم الحدود وتقسيم البلاد".
وقال الكربولي إن "المخاوف والشكوك تصاعدت مؤخراً من المخططات الغامضة التي تقف خلف مشروع السور اﻷمني، الذي باشرت قيادة عمليات بغداد تنفيذه"، مضيفاً "نحن مع تعزيز أمن بغداد، لكن تعزيز هذا اﻷمن ﻻ يجب أن يكون على حساب المحافظات الأخرى".
وأضاف أن "اعتماد إستراتيجية حفر الخنادق وتسوير المدن بحجة الإرهاب يدل على غياب الرؤى والخطط اﻷمنية، ويؤشر إلى قصور في اﻷداء المهني ويجهض العمل الاستخباري ويؤسس لدويلات أمنية، ويفتح الباب على صراع ديموغرافي بين أبناء الوطن الواحد وشركاء اﻷرض".
وحذّر الكربولي "من مغبة أن يكون الخندق اﻷمني في بغداد خطة للشروع في تنفيذ مخطط لاقتطاع الأراضي من محافظة اﻷنبار أو صلاح الدين أو ديالى وإلحاقها ببغداد وبابل، على غرار خندق البشمركة في نينوى وكركوك"، مضيفًا "إننا بالتالي سنكون أمام محاوﻻت جادة لحكومتي بغداد والإقليم في رسم حدود تقسيم العراق، وهو ما يجعلنا مضطرين للقبول باستقدام قوات برية عربية أو دولية إلى مدن الانبار وصلاح الدين ونينوى وديالى وحزام بغداد وشمال بابل وكركوك لتحريرها من عصابات داعش الإرهابية والميليشيات الوقحة، وإعلان إقامة الإقليم السني أسوةً بإقليم كردستان".
وطالب الكربولي رئاسة البرلمان بـ "الموافقة على استضافة قائدي عمليات بغداد واﻷنبار للوقوف على أبعاد وأهداف وغايات مشروع سور بغداد اﻷمني»، داعيا "شركاء الوطن إلى أن يتحملوا مسؤولية الحفاظ على وحدة العراق، إذا كانوا جادين أو المضي قدماً في تسوية تاريخية تضمن حقوق الجميع وتحافظ على ما تبقى من النسيج العراقي".
وكان قائد عمليات بغداد اللواء عبد الأمير الشمري أعلن البدء بتنفيذ مشروع سور بغداد الأمني، الذي يتضمن وضع جدران إسمنتية وحفر خنادق لمنع تسلل المهاجمين، وإحكام السيطرة على مداخل المدينة عبر ثمانية منافذ محددة. وشدد على "أهمية تنفيذ المشروع" معتبراً أنه "سيسهم بشكل مباشر في تحسن الوضع الأمني في بغداد".
(السفير)