تقدَّر المسافة بين مدينتَي لوزان وجنيف في سويسرا بحوالي 60 كيلومتراً، بينما يقدرها الأكراد بـ93 عاماً، هي المسافة الزمنية بين معاهدة لوزان الثانية، بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1923 ومؤتمر "جنيف 3" لحل الأزمة السورية في العام الحالي.
وفي الوقت الذي تبدلت فيه أسماء المفاوضين، استمر صراع الدول على تلك البقعة الجغرافية، ليتشكل لدى الأكراد لحظة تاريخية قد يستطيعون بها تحقيق جزء من أهدافهم، أو يفقدونها مرة جديدة لمئة عام أخرى.
يحمل الأكراد إلى جنيف خريطتهم الميدانية والسياسية في سوريا والمنطقة. ففي العراق ينقسم الأكراد إلى 3 أقسام رئيسية، "الحزب الديموقراطي الكردستاني" ممثلا برئيسه مسعود البرزاني، و"الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال الطالباني، و"حزب العمال الكردستاني" بزعامة عبد الله أوجلان، وقسم البرزاني هو الأقوى، حيث انه يتحالف مع الولايات المتحدة وتركيا، يليه قسم الطالباني المتحالف مع إيران.
في الجزء التركي، هناك حزبان يتقاسمان الأكراد، هما "الشعوب الديموقراطي" و"العمال الكردستاني" الذي تعتبره تركيا من أهم المجموعات المصنّفة إرهابية. وفي سوريا القسم الأقوى هو "العمال الكردستاني" يليه "الديموقراطي" وباقي الأحزاب.
هذا التوزع الكردي وارتباطه بالدول الإقليمية والدولية يجعلان من الصعب حالياً تحقيق "الدولة" المنشودة، فالدول المركزية ليس لها مصلحة في إنشاء كيان سياسي مستقل ضمن حدودها يهدد وجودها في المستقبل، والتوزع الحالي يشكل حجر عثرة بين الأكراد أنفسهم، حتى أن نشطاء أكرادا سوريين يعتبرون أنه مع كل خلاف بين أكراد العراق وتركيا يقع الضرر الأكبر على أكراد سوريا، حيث أنه ليس من مصلحة "الحزب الديموقراطي" في العراق أن يتم تشكيل إدارة ذاتية في سوريا، وهذا يشكل نقطة التقاء بين البرزاني والحكومة التركية.
هذه الأوضاع دفعت الأكراد في سوريا نحو اتخاذ خطوات متلاحقة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وصولاً إلى جنيف. منها السيطرة على الجبهة الشرقية، وتأسيس مجالس إدارة محلية ضمن رؤيتهم للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وقتالهم تنظيم "داعش" مدعومين بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وصولاً إلى مشاركتهم بتأسيس "قوات سوريا الديموقراطية" على الأرض، والممثلة بـ "مجلس سوريا الديموقراطي" سياسياً.
وتشارك "وحدات حماية الشعب" الكردية مع مختلف المكونات الاجتماعية في المنطقة الشرقية تحت راية صفراء، كُتب عليها بلغات ثلاث (كردية ـ عربية ـ سريانية)، وفي منتصفها خريطة الدولة السورية كاملة. ويشير العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية، التي تشمل بحسب المادة الأولى منه، الجزيرة ـ كوباني ـ عفرين، إلى وجهة نظر الإدارة بمستقبل سوريا، حيث توضح المادة الثالثة: أ ـ سوريا دولة حرة ديموقراطية مستقلة ذات سيادة، ونظامها برلماني اتحادي ديموقراطي تعددي توافقي. كما يؤكد العقد أن مقاطعات الإدارة الذاتية جزء من الجغرافيا السورية.
ويقول مصدر مطلع، لـ "السفير"، إن "المشروع الكردي في سوريا على مفترق طرق، فهو يشكل بالنسبة لروسيا نواة مهمة للضغط على الحكومة التركية، نتيجة التنوع في مكوناته، وهو ما يفسر الرفض التركي والتأييد الروسي بالنسبة لحضور الأكراد في مؤتمر جنيف". ويضيف أن «المشروع يشكل جزءاً من الاتفاقيات الشاملة في المنطقة، من التفاهم الروسي ـ الأميركي والعلاقات التجارية الإيرانية ـ التركية والنتائج السياسية الإقليمية للاتفاق النووي الإيراني ـ الأميركي. إضافة إلى موقف الحكومة السورية الذي يصرّح رسمياً أن الأكراد هم مواطنون سوريون ضمن الدولة السورية".
وتتصاعد وتيرة العمليات العسكرية في شمال سوريا بالتوازي مع مؤتمر جنيف، فقد أعلنت "قوات سوريا الديموقراطية" عن نظامها الداخلي، وأشارت في فقرة الأحكام العامة إلى أن هدفها هو "تحرير سوريا، وطناً وشعباً، والدفاع عنهما ضد كل الهجمات المعادية والإرهابية التي تستهدف وجودها وكيانها". وتشير إلى تمسكها بالدفاع وعدم التوجه نحو الهجوم، تحت شعار "لو هاجَمَنا كل العالم سنقاوم، وإن امتلكنا قوة تكفي للهجوم على العالم لن نهاجم".
وتجد "قوات سوريا الديموقراطية" في التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، شريكاً أساسياً، كما جددت رؤيتها للدولة السورية بوصفها «سوريا ديموقراطية تعددية اتحادية لامركزية". وتم الإعلان عن هذه الوثيقة مع انطلاق التحضيرات لتمدد هذه القوات في شمال غرب سوريا باتجاه مدينة جرابلس، خاصة بعد تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته تشيلي باقتراح بناء مدينة للاجئين السوريين في سوريا، وهي المنطقة الواقعة بين عفرين وكوباني.
ويشكل غرب الفرات نقطة صراع مع تركيا، حيث تمسك رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بموقف حكومته بخصوص عدم السماح لعناصر قوات "حزب الاتحاد الديموقراطي" في سوريا بالعبور إلى غرب نهر الفرات، وهو أمر قد يتبدل على الأرض مع إمكانية وصول "القوات" إلى مدينة منبج في ريف حلب الشرقي. وقد أثار حضور المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي بريت ماكغورك الذي اجتمع في مدينة عين العرب (كوباني)، بأعضاء "الإدارة الذاتية الديموقراطية" في مقاطعتي الجزيرة وكوباني، تساؤلات عديدة حول هل هو لقاء تنسيق على الأرض أو مجرد تطمينات، فقد أشاد المسؤول الأميركي بتجربة الإدارة الذاتية في سوريا، وقدم لهم وعداً بأن "سوريا المستقبل ستكون ديموقراطية، وستحترم حقوق الشعب الكردي، وسيضمن ذلك الدستور الجديد لسوريا".
أما في جنيف، فتتوالى التصريحات الداعمة لمشاركة الأكراد، حيث قال نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، موجهاً كلامه إلى رئيس «حزب الاتحاد الديموقراطي" صالح مسلم: "لا بد أن يكون لكم وجود، وهذه حقيقة بات الكل يعرفها، حيث لا حل من دون مشاركتكم".
وفي السياق ذاته، قال هيثم المناع، بعد اجتماعه مع غاتيلوف، إن القائمة المعتمدة هي قائمة لوزان المشتركة وليست قائمة موسكو، وبأن "مجلس سوريا الديموقراطية" ليس على استعداد للمشاركة بوجود "فيتو" على أي من أعضاء وفده، فيما تضغط تركيا لمنع توجيه دعوة لـ "حزب الاتحاد الديموقراطي" و "وحدات حماية الشعب" إذ تصفهما "بالإرهابيتين" نتيجة قربهما من "حزب العمال الكردستاني".
(السفير)