العالم على وشك دخول عام 2024 وهو في حالة لم تشهدها البيئة الدولية منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية.
وبحسب صحيفة "The Telegraph"
البريطانية، "في الوقت الذي كانت فيه النخب السياسية الغربية في الثلاثينيات تتصارع مع صعود الفاشية والماركسية اللينينية، مما أدى إلى نهاية عشرين عامًا فقط من السلام في
أوروبا، لم تكن الدول بعد متشابكة ماليا من خلال الترابط بين التجارة والتبادل التجاري، كما هي عليه اليوم. ونتج عن الحرب العالمية الثانية نظام جديد وهو نظام الاعتماد المتبادل الاقتصادي، وذلك بعد أن أدركت القوى المتحالفة المنتصرة أن قوة التجارة، والممارسات الاقتصادية الليبرالية المشتركة، ستكون بمثابة حاجز حاسم ضد تلك الدول نفسها التي تخوض حربًا في ما بينها على نطاق لم نشهده من قبل. ويمكن تجنب أهوال الحرب من خلال المصالح الاقتصادية المشتركة، ونظام مالي عالمي جديد من شأنه أن يجعل الحروب مكلفة للغاية".
وتابعت الصحيفة، "وبعد مرور 80 عامًا، ظلت هذه النظرية قائمة إلى حد كبير بين الديمقراطيات الشقيقة، ولم تدخل حكومتان ديمقراطيتان ليبراليتان في حرب مع بعضهما البعض منذ ذلك الحين. ومع ذلك، في نهاية عام 2023، لا تزال الديمقراطيات الليبرالية هي الاستثناء، وليس
القاعدة. إننا نعيش الآن عصر التوترات الجيوسياسية المتزايدة، والتي تحددها الأنظمة الاستبدادية التي تعمل لمصالحها الذاتية على حساب الديمقراطيات الليبرالية. وعندما تتصرف مثل هذه الأنظمة لتحقيق مصالحها الذاتية، فإن الأنظمة الاقتصادية الليبرالية لا تكون كافية كرادع مالي لوقفها. ويعد غزو
روسيا لأوكرانيا في عام 2014، ومرة أخرى في عام 2022، مثالا واضحا على ذلك".
وأضافت الصحيفة، "يمثل سلوك الصين العدواني المتزايد تجاه جيرانها علامة على الصراع القادم في الوقت الذي تحاول فيه بكين استعراض قوتها العسكرية والسياسية الجديدة لتصبح القوة المهيمنة الجديدة في آسيا، مما يزعزع موقع
الولايات المتحدة باعتبارها القوة المهيمنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وحتى من دون عودة الحرب الصناعية إلى أوروبا للمرة الأولى منذ ما يقرب من قرن من الزمان، أو من دون تزايد عدوانية الصين التي تشق طريقها عبر بحر الصين الجنوبي، فلا تزال
إيران موجودة. وما يزيد الطين بلة هي كوريا الشمالية المنبوذة دوليا، والتي تهدد بشكل روتيني بحرب نووية في شبه
الجزيرة الكورية ضد الجنوب والولايات المتحدة، بل وحتى اليابان".
وبحسب الصحيفة، "بينما تحلق الصواريخ الكورية الشمالية الممولة من الصين وذات القدرة النووية فوق كوريا الجنوبية، والقوات الأميركية، وحتى بحر اليابان، يتم تذكيرنا بسهولة باحتمال استئناف الحرب في شبه الجزيرة الكورية، والتي تجتاح بعض أقوى القوات العسكرية في العالم، الأمر الذي من شأنه أن يرسل موجات صادمة في كل أنحاء النظام المالي العالمي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين عالم أوروبا ما قبل الحرب وعالم اليوم. إن نظام بريتون وودز لا يضاهي تلك الدول التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار واستبدال هذا النظام الاقتصادي والليبرالي المالي في نهاية المطاف بنظام يتم فيه تمثيل قيمها بشكل أفضل. إن النظام العالمي غير الليبرالي هو هدف للأنظمة غير الديمقراطية بما في ذلك روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية".
وتابعت الصحيفة، "لا تزال الحرب مستعرة في أوروبا، ويمكن أن تبدأ في منطقة المحيط الهادئ الهندية إذا فشل الردع
الغربي. ولكن لن يقتصر الأمر على الصراعات نفسها التي يتعين علينا أن نتحملها، إنما سيكون ذلك بمثابة الدمار الهائل الذي لا رجعة فيه تقريبا للنظام المالي العالمي. ومع ترابط الاقتصادات بشكل متزايد مع التجارة والأنظمة المالية وسلاسل التوريد، فإنها كلها ستعاني كثيرا كما عانت خلال الوباء العالمي والأزمة في
أوكرانيا. يمكننا أن نرى ذلك بالفعل في البحر الأحمر، حيث تقوم جماعة الحوثيين اليمنية التي تمولها إيران بإغلاق ممرات الشحن الدولية بعد حملة ناجحة نسبياً من احتجاز الرهائن وإطلاق صواريخ كروز في الأسابيع الماضية. وقد أدت هذه الحملة إلى إعلان شركة بريتيش بتروليوم، وهي واحدة من أكبر الشركات في العالم، أنها ستتجنب ممرات الشحن في البحر الأحمر، وهي ممرات حيوية لتصدير النفط والغاز من
الشرق الأوسط إلى أسواق أوروبا وأميركا الشمالية".
وختمت الصحيفة، "لا يمكن لتسليح التجارة أن يستمر. ولا يجوز لنا أن نسمح للردع العسكري والاقتصادي بالفشل في وقت تسعى فيه الأنظمة غير الديمقراطية بالإضرار بمصالحنا الوطنية بهذه الطريقة. قد لا تكون الحرب هي التي تسقط النظام العالمي الحالي، بل الصدمات المتكررة للتجارة العالمية وسلاسل التوريد، إذا اخترنا عدم القيام بأي شيء حيال ذلك. والمكان الجيد للبدء هو توجيه ضربات عسكرية ضد الحوثيين".