كلما طال أمد الهجمات الصاروخية الحوثية في مضيق باب المندب، كلما قل تأثيرها على الميزة الجيوسياسية للرئيس الصيني شي جين بينغ.
وبحسب صحيفة "The Telegraph"
البريطانية، "في مرحلة ما، يبدأ هذا الصراع في تشكيل خطر جدي على مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية على المدى
الطويل. ربما تم الوصول إلى هذه النقطة هذا الأسبوع عندما أعلنت شركتا تيسلا وفولفو عن إغلاق مؤقت لمصانعهما في أوروبا، وذلك بسبب أزمة البحر الأحمر التي أوقفت استيراد قطع مهمة من الصين. هذا الواقع، يضع شي في خلاف مع
المملكة العربية السعودية ومصر وتحالف من تسع دول سنية خاضت معًا حربًا طويلة في محاولة لمنع الحوثيين من السيطرة على اليمن. ويؤدي انهيار عائدات قناة السويس إلى دفع مصر إلى أزمة مالية أعمق، مما يعرض للخطر إعانات الدعم الاجتماعي التي تكبح جماح برميل البارود السياسي، ويهدد بإثارة بدايات ردة فعل عنيفة ضد الصين داخل البلاد".
وتابعت الصحيفة، "سيكون من المبالغة القول إن ضربات القصف الأنكلو-أميركية في اليمن تؤدي عمل شي نيابة عنه، ولكن في نهاية المطاف فإن الصين هي التي بنت اعتماداً اقتصادياً وجودياً على الإمدادات المستقرة من النفط والغاز من
الشرق الأوسط وعلى التدفق الحر للشحن العالمي. ويمكن للمرء، بطبيعة الحال، أن يطرح نفس النقطة في ما يتعلق بأوروبا، موطن عدد كبير من المنتفعين بالمجان الذين رفضوا المشاركة في عملية "حارس الرخاء" التي تقودها
الولايات المتحدة، وهو القرار الذي قد يندمون عليه إذا أعيد انتخاب
دونالد ترامب في تشرين الأول. وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم حتى الآن، وهي بالكاد قادرة على تغطية 28% من احتياجاتها من الإمدادات المحلية، وهو السبب
الرئيسي للتحول الكبير إلى السيارات الكهربائية، كما أنها أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال".
وأضافت الصحيفة، "للصين احتياط نفطي استراتيجي، وبوسعها أن تتحمل صدمة قصيرة الأمد، وسوف تواجه شيئاً أقرب إلى "التوقف المفاجئ" الاقتصادي إذا تصاعدت التوترات في الشرق الأوسط إلى حريق أوسع نطاقاً، وانتشر إلى المنشآت الهيدروكربونية في الخليج وقطع الإمدادات المنقولة بحراً من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال لأكثر من بضعة أسابيع. وسوف تعاني أميركا أيضاً، ولكن المخاطر ليست متماثلة أو ذات طبيعة واحدة. لقد حولت تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي أميركا إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم بفارق كبير، لذلك، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أي نفط من أوبك، رغم أنها تستورد بعض الخام الثقيل من أجل تحقيق التوازن في مصافيها. وفي الحالات القصوى، يمكنها تقييد صادرات النفط الخام الأميركية، كما فعل جيمي كارتر في أواخر السبعينيات".
وبحسب الصحيفة، "جلست الصين على الهامش خلال الشهرين الماضيين، حيث كثف الحوثيون هجماتهم الصاروخية على 23 سفينة في البحر الأحمر أو بالقرب منه، وتشمل هذه السفن شركة ميرسك جبل طارق التي ترفع علم هونغ كونغ، والمملوكة لشركة Greater China Intermodal Investments، والتي كانت في طريقها إلى ميناء جدة السعودي. كما ولم ينطق المسؤولون الصينيون قط بكلمة "الحوثي"، ولم يدينوا الهجمات بما يتجاوز المراوغات الشكلية. كما أنهم لم يدينوا حماس على الإطلاق بسبب الهجوم الذي شنته في السابع من تشرين الأول. ولم يتحدث شي حتى الآن عن حرية الملاحة، بل قدم بدلا من ذلك هجمات الحوثيين باعتبارها امتدادا للحرب في غزة وكنتيجة سريعة للسياسات الأميركية في المنطقة. من جانبها، تصور وسائل التواصل الاجتماعي الخاضعة للرقابة في الصين الحوثيين كمقاتلين أبطال وصالحين".
وتابعت الصحيفة، "هذا يرضي
وسائل الإعلام في الجنوب العالمي بشكل جيد، ولكن من خلال تبني هذا الخط، فإنه يؤيد مغامرة
إيران الإمبريالية الجديدة ويهدد المصلحة الوطنية الأساسية للمملكة العربية
السعودية. إنها لعبة محفوفة بالمخاطر للغاية.
وقال أحمد عبوده من تشاتام هاوس: "يريد الحوثيون استخدام الأزمة لتحسين موقفهم في المفاوضات مع السعوديين، والحصول على الاعتراف بهم كحركة مقاومة حقيقية، وتأكيد أنفسهم كركيزة أساسية في "محور المقاومة"
الإيراني". وغني عن القول إن مثل هذا الترويج للحوثيين أمر غير مستحب لدى الكتلة السنيّة. فهو يهدد بالتراجع عن كل ما حققته الصين في المنطقة من خلال التوسط في الهدنة السعودية
الإيرانية وعملية السلام في اليمن، نتيجة للدبلوماسية المضنية التي أذهلت الدبلوماسيين وحولت الصين إلى لاعب رئيسي في الشرق الأوسط".
وأضافت الصحيفة، "تمتلك البحرية الصينية قاعدة في جيبوتي وتشارك في قوة مهام مكافحة القرصنة التي تقاتل القراصنة قبالة القرن الأفريقي. لقد فعلت بكين الكثير من هذا في الماضي، حيث قدمت نفسها كمدافع عن حرية الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس من أجل مصلحة الجميع. والنقطة الأهم في هذه الملحمة هي أن الصين هي المستفيد الرئيسي من العولمة، وهي تعتمد إلى درجة غير عادية على الأسواق الخارجية، وبالتالي فإنها ستخسر الكثير إذا دمرت الجغرافيا السياسية الثقة في خطوط الإمداد البحرية. وإذا انهارت العولمة لأن سلاسل التوريد أصبحت غير آمنة، فإن الاقتصاد الأميركي سوف ينعم إلى حد ما بإعادة المصانع إلى الوطن وإعادة الطلب الذي يتسرب حاليا لصالح الصين".
وختمت الصحيفة، "تصرفت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في وقت مبكر للغاية قبل أن تنكشف التناقضات الصارخة في موقف الصين بشكل كامل".