حكومة العدالة والتنمية التركية الاسلامية التي وصلت الى السلطة عام 2003 اعلنت انها ستكون مختلفة في قراراتها وتحركاتها واستراتيجياتها عن بقية الحكومات التركية وانها تعطي العلاقات مع بلدان العالم الاسلامي اهمية كبرى وانها تريد تحسين وتمتين هذه العلاقات التي اهملت لعقود وترجمة ذلك عبر مشاريع تعاون وتنسيق كان بينها تقديم الخدمات الدينية والاجتماعية والثقافية.
نظرة خاطفة على بعض الإنجازات التي حققتها الحكومة في اطار حملة واسعة تهدف لترميم مئات الجوامع ودور العبادة والمواقع الدينية في تركيا وخارجها توجز هذه الاستراتيجية التركية الجديدة. في العلن الحكومة هي التي تتخذ القرار لكن المنظمات والهيئات التي تشرف على عمليات التنفيذ لا تقل عنها اهمية وقيمة وبينها منظمة الإنماء التركية "تيكا" ووقف الديانة التركي التابع لرئاسة الشؤون التركية التي تريد بعض احزاب المعارضة الغائها في حال وصولها الى السلطة ومركز القرار.
اخر هذه الإنجازات تم تحقيقه قبل ايام عندما افتتح الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان ونظيره الكازاخي نور سلطان نزربايف مؤخراً، جامع ومجمّع "خوجة أحمد يسوي"، اللذان بدأ وقف الديانة التركي في إنشائهما عام 2009، بمدينة "تركستان" جنوبي كازاخستان.
وشارك في حفل الافتتاح رئيس الشؤون الدينية محمد غورمز ورئيس الشؤون الإدارية الدينية الكازاخية أرجان مايامروف، فضلاً عن شخصيّات أخرى، ثم أدّى الرئيسان صلاة الجمعة في الجامع عقب مراسم الافتتاح.
ومن المعروف أن خوجة أحمد يسوي شاعرٌ، ومتصوّفٌ تركيّ، عاش في الفترة 1093- 1166 بمدينة تركستان الواقعة حالياً في جمهورية كازاخستان، وكان أول شاعر نظم قصائد باللغات التركية المحكية، وأصبح ضريحه واحداً من مواقع التراث العالمي التابعة لليونيسكو عام 2003.
هل هو المشروع الوحيد الذي أشرفت عليه تركيا في السنوات العشر الاخيرة داخل البلاد وخارجها؟
احد اهم كبار العاملين في وقف الديانة التركي مظهر بلغين يقول أن المساجد والجوامع أهملت في كازاخستان لسنواتٍ عديدة، لذلك تولي المؤسّسة أهمية كبيرة لترميمها، حيث قام الوقف بترميم جامع "ميتشورين"، و"تولغار"، و"نيكولايافكا"، و"ألماتي مركز". وأعلن عن وضع حجر الأساس في 17 نيسان لمسجدٍ ثانٍ بالقرب من "جامعة خوجة أحمد يسوي الدولية التركية الكازاخية".
ويتابع بيلغين ان وقف الديانة التركي يعد لوضع حجر الأساس في 13 آيار الجاري، لإنشاء "الجامع المركزي" في العاصمة الألبانية "تيرانا"، الذي سيعد الأكبر في منطقة البلقان، وانه سيتسع لـ 4 آلاف و500 مصلي.
واعلن بيلغين وهو يشرح اسباب الأقدام على مثل هذه الخطوة انه الى جانب إن الجوامع تحظى بأهمية كبرى في ديننا، وإلى جانب كونها دورًا للعبادة، "فهي تعد مراكز تحث على الوحدة والتضامن والأخوة، وتعليم الأخلاق، والعدالة، والاخلاص"، مشيرًا "إلى أن الرسول الكريم ذكر بأن الجوامع من أحب الأماكن لله تعالى".
وأوضح بيلغين، أن "أدهم بيك" يعد الجامع الوحيد في العاصمة "تيرانا"، والذي يتسع لعدد قليل من المصلين، لذا يضطر المسلمون في الأعياد لأداء صلاتهم في الشوارع، في بلد يشكل المسلمون 70% من سكانه.
وأضاف أن الجامع المركزي الجديد والمؤلف من 4 مآذن، سيتم إنشاؤه على مساحة 10 دونمات، وسسيكتمل بناءه خلال فترة تستغرق بين عامين وثلاثة أعوام، مشيرًا إلى إنشاء صالة مؤتمرات تتسع لـ 322 شخصًا، وعشرة صفوف لتدريس القرآن، وصالة عرض، ومكتبة، ومطعم، ومطبخ، ومتحف مؤلف من طابقين، ومصعد للمسنين والمعاقين، وغرفة لرعاية الأطفال الرضع، وموقف للسيارات يتسع لـ 500 سيارة، ومركز ثقافي كبير، داخل حرم الجامع.
لكن الارقام التي قدمها بيلغين تعكس صورة مهمة في المشهد وهو يشير إلى أن الوقف أنشأ منذ عام 1975، 3 آلاف و421 جامعًا داخل تركيا، وأكثر من 100 جامع ومبنى تعليمي حول العالم، مضيفًا أن الوقف خصص 200 مليون دولار أمريكي لترميم جوامع للدولة العثمانية خارج البلاد، وإنشاء جوامع جديدة في 9 دول، إضافة إلى تخصيص الأراضي ومشاريع أخرى متعلقة بإنشاء 16 جامعًا في 7 دول .
نشاطات وقف الديانة متواصلة داخل تركيا وخارجها كما يبدو. فقد بدأ "وقف الديانة التركي" مبادرة لإعادة بناء وترميم المساجد التي تهدمت جراء الحروب، إلى جانب بناء مساجد جديدة في العديد من بلدان العالم. ووقف الديانة يشرف حاليا على مشروع لإعادة بناء تسعة مساجد مهدمة في فلسطين، ووضع حجر الأساس لها خلال أيام.إضافة إلى إنشاء وترميم المراكز الثقافية الإسلامية والمساجد الى جانب بناء جامع كبير في العاصمة القرغيزية "بشكيك"،
وأضاف بيلغين أنهم يواصلون بناء مجمع كبير في الولايات المتحدة الأميركية، يضم جامعاً وقاعة مؤتمرات وأخرى للندوات، إلى جانب قاعات دراسية، لافتاً إلى أنهم يعتزمون الانتهاء من بناء المجمع في غضون عامين أو ثلاثة من الآن، في الوقت الذي تتواصل فيه أعمال بناء جامع في "إنجلترا" قرب جامعة "كامبريدج"، والذي سيكون بناءً فريداً من نوعه. واشار بيلغين إلى أن أعمال إنشاء جامع "هالا خاتون" في قبرص مازالت متواصلة، حيث ينفذون مشاريع مماثلة في مناطق كثيرة، منها 9 جوامع كبيرة خارج البلاد. وأوضح المسؤول في "وقف الديانة التركي" أنهم أنشأوا مدارس في "هاييتي"، وقدموا الخدمات في الفلبين، وحالياً يواصلون بناء جامع في الصومال،
وأكد أن الوقف ووكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا"، وإدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" هي أولى المؤسسات التي تصل باسم تركيا إلى مناطق الكوارث والفيضانات في العالم، حيث تقدم يد العون إلى المتضريين دون تمييز بسبب الدين أوالعرق أواللغة.
اما حول نشاطات الوقف ومشاريعه داخل تركيا فيقول رئيس الشؤون الدينية في تركيا محمد غورماز إن أعمال بناء المساجد في كافة الجامعات الحكومية التي يتجاوز عددها الـ 80 جامعة تستمر بشكل جيد جداً، وإنه تم الانتهاء من بناء 15 مسجداً وتم افتتاحها للعبادة، وسيتم افتتاح 50 منها خلال العام القادم.
وأفاد غورماز بأن هناك 20 مليون شاب في تركيا، وأن الحكومة التركية تريد الوصول إليهم وتوعيتهم. وقال: "إننا نعطي أهمية كبيرة للمساجد في الجامعات الموجودة بالمدن. وسيتم تقديم الخدمات في هذه المساجد والتواصل مع الشباب من قبل موظفين دينيين مختصين، نريد تطويرهم معنوياً وافادتهم من المساجد هذه".
وأشار غورماز إلى ان الحكومة تريد أيضاً جعل المساجد محبوبة في قلوب الناس من جديد، وان تكون جزء من حياتهم اليومية. وأنهم يعملون على جعلها مناسبة لزيارة الرجال والنساء والشباب والاشخاص المعوقين.
رسالة تركيا وحكومة العدالة والتنمية في هذا الخصوص أوجزها غورماز عندما قال "نريد للمساجد ان تكون أماكن يكتشف فيها شعبنا هويته الاسلامية من جديد".
(أنقرة)