وتوقّف البابا عند ما سمّاه "طريق الصِّغَر"، مشدداً على أن رسالة الكنيسة لا تُقاس بالعدد أو النفوذ، بل بالوفاء للإنجيل، قائلاً إن "أباكم قد سرّ أن يمنحكم الملكوت"، في إشارة إلى إمكانية الجماعات الكاثوليكية الصغيرة في تركيا أن تنظر إلى
المستقبل بثقة لا باستسلام. وشجّع الكهنة والرهبان والعاملين الرعويين على مواصلة الشهادة للإنجيل "بفرح ومثابرة أمل"، لافتاً إلى العلامات الحيّة التي تظهر في تزايد عدد الشباب الذين يطرقون أبواب الكنيسة بأسئلة حول الإيمان.
وحدّد البابا ثلاث أولويات لرسالة الكنيسة في تركيا: أوّلها الحوار المسكوني والحوار بين الأديان، وثانيها نقل الإيمان إلى السكان المحليين بلغةٍ مفهومة ومتجذّرة في ثقافة البلد، وثالثها الخدمة الرعوية للاجئين والمهاجرين الذين وصفهم بأنهم من "أكثر الفئات ضعفاً"، داعياً إلى تثاقفٍ حقيقي بحيث يُعبَّر عن الإنجيل بطرق تتناغم مع اللغة والثقافة
التركية. ورأى أن وجود عدد كبير من العمال الرعويين القادمين من بلدان أخرى هو غنى وتحدٍّ في آن، يستدعي تكييف الأساليب والخطاب مع الواقع المحلي.
وبمناسبة الذكرى الـ1700 لمجمع نيقية الأول، ربط البابا بين الماضي والحاضر محدِّداً ثلاثة تحديات لاهوتية وفكرية لا تزال راهنة: أوّلها العودة إلى "جوهر الإيمان" حيث يبقى قانون الإيمان النيقاوي بوصلة للوحدة والتمييز، وثانيها التحذير من ما وصفه بـ"آريوسية جديدة" تكتفي بالإعجاب بيسوع كشخصية تاريخية من دون الاعتراف به كابن الله الحي، وثالثها فهم تطوّر العقيدة كتطوّر عضوي في التعبير لا في الحقيقة نفسها، مع
التزام ثابت بجوهر الإيمان. واستحضر في ختام كلمته مثال القديس يوحنا الثالث والعشرين الذي خدم لسنوات في تركيا وأحبّ شعبها، داعياً الحاضرين إلى الحفاظ على “فرح الإيمان” وخدمة الناس بشجاعة ووداعة.
ومع انتهاء اللقاء في كاتدرائية الروح القدس، يستعدّ البابا لاوون للتوجّه بمروحية إلى إزنيك للمشاركة، إلى جانب البطريرك المسكوني برثلماوس، في الاحتفال بالذكرى الـ1700 لمجمع نيقية، في محطة تحمل بُعداً مسكونياً واضحاً وتعيد التأكيد على نيقية كنقطة التقاء بين معظم الكنائس المسيحية. وتشمل الرحلة الرسولية محطّات في أنقرة وإسطنبول وإزنيك، قبل أن يواصل الحبر الأعظم جولته إلى
لبنان، حاملاً معه رسائل دعم وتشجيع للمسيحيين في الشرق ودعوة متجددة إلى الوحدة والحوار.