تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

خاص

ضربات دقيقة وعشرات الأهداف... مرحلة جديدة في التعامل مع "داعش"

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
03-01-2026 | 12:00
A-
A+
Doc-P-1463154-639030312387815979.png
Doc-P-1463154-639030312387815979.png photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
لم يكن الهجوم الأميركي الواسع على مواقع تنظيم "داعش" مجرّد ردّ عسكري تقليدي على هجوم استهدف قوات أميركية، بل شكّل لحظة كاشفة أعادت طرح سؤال جوهري طالما جرى الالتفاف عليه: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى إنهاء التنظيم، أم إلى ضبطه ضمن مستوى تهديد قابل للإدارة، يخدم استمرار حضورها العسكري وتوازناتها السياسية في المشرق؟
 
على المستوى البنيوي، لم يعد "داعش" منذ سنوات ذلك التنظيم القادر على السيطرة على الجغرافيا أو فرض وقائع سياسية كبرى. ويشير الكاتب والمستشار في العلاقات الدولية علي يحيى إلى أن العدّ العكسي لسقوط التنظيم بدأ فعلياً عام 2014، مع كسر عموده الفقري ونخبة مقاتليه في مدينة "بيجي" بمحافظة صلاح الدين العراقية. منذ تلك اللحظة، انتقل التنظيم من نموذج "الدولة" إلى نموذج الخلايا، أي مجموعات متناثرة وعنقودية، تعتمد على هجمات محدودة ومتفرقة بدل السيطرة المباشرة على الأرض.
 
هذا التحوّل لم يكن ذاتياً فقط، إنما نتج عن تغيّرات ميدانية وأمنية حاسمة، أبرزها تراجع الفوضى في العراق وسوريا، وتنامي التعاون الأمني بين بغداد ودمشق، ما أغلق أمام التنظيم معظم مسارات إعادة التمدد. ومع ذلك، ظل "داعش" قادراً على البقاء كتهديد منخفض الوتيرة، مستفيداً من الثغرات الأمنية، والانقسامات السياسية، والبيئات الهشّة التي تسمح له بالتسلل لا بالتمدد.
 
لكن الهجوم الأميركي الأخير، بحجمه ودقته وتعدد أهدافه، يفتح باب التساؤل: إذا كانت واشنطن تمتلك هذا الكم من المعلومات الاستخباراتية وبنك أهداف واسعاً يشمل البنية التحتية والمخازن والمراكز اللوجستية للتنظيم، فلماذا لم يُستخدم سابقاً؟ ولماذا جرى تفعيله الآن تحديداً؟
 
بحسب يحيى، فإن إعلان الانتصار الكامل على "داعش" يحمل كلفة استراتيجية على الولايات المتحدة نفسها، لأنه يُسقط إحدى الذرائع الأساسية التي برّرت بها وجودها العسكري في العراق وسوريا. فالولايات المتحدة، التي أنفقت ما يُقدّر بنحو 2.89 تريليون دولار على حروبها في البلدين منذ عام 2003، وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام مشهد إقليمي لم يخدم مصالحها: نفوذ إيراني متعاظم، ومحور مقاومة أكثر تماسكاً، وحلفاء محليين عاجزين عن ملء الفراغ.
 
من هنا، لم يكن إبقاء "داعش" حيّاً – ولو بحجم أصغر – مجرد فشل في الحسم، بل خياراً وظيفياً. إذ يتيح التنظيم لواشنطن تبرير استمرار قواعدها العسكرية، وفرض شروطها الأمنية، والتدخل عند الحاجة تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"، من دون الاضطرار إلى خوض معارك سياسية أو تفاوضية أكثر تعقيداً حول الانسحاب.
 
ويعزّز هذا الطرح حقيقة أن الولايات المتحدة لم تنخرط بجدية وحسم في قتال "داعش" إلا بعد التأكد من اقتراب سقوطه في آخر معاقله الكبرى، ولا سيما الموصل. فحين بات التنظيم على وشك الانهيار، تحوّلت الحرب عليه إلى "إنجاز سياسي" أكثر منها ضرورة ميدانية.
 
عسكرياً، يحذّر يحيى من المبالغة في الرهان على الضربات الجوية، مؤكداً أن أي تنظيم مسلح تجاوز مرحلة النشوء لا يمكن اجتثاثه بالقصف وحده، مهما بلغت كثافته. فالقوة الجوية، بطبيعتها، تُدمّر البنية لا الفكرة، وتُضعف القدرات لا الدوافع. وتجارب جنوب لبنان وقطاع غزة خلال السنتين الماضيتين تُظهر بوضوح محدودية هذا الخيار حين يُفصل عن العمل الميداني والسياسي والاجتماعي.
 
الأخطر من ذلك، أن التعامل مع "داعش" كتهديد مُدار، لا كظاهرة يجب تفكيك شروط إنتاجها، يسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، وأسماء مختلفة، وفي ساحات جديدة. فالتطرف لا يحتاج إلى دولة ولا إلى جغرافيا، بقدر حاجته إلى بيئة مهشّمة، وشعور بالظلم، وسردية قابلة للتوظيف.
 
في هذا السياق، يكتسب لبنان أهمية خاصة. فبلد يعيش أزمات سياسية مزمنة، وانهياراً اقتصادياً غير مسبوق، وتفككاً اجتماعياً متسارعاً، يشكّل بيئة حساسة لأي توظيف أمني أو سياسي لخطر الإرهاب. الخطر هنا لا يكمن في قدرة "داعش" العسكرية المحدودة، بل في إمكانية استغلال اسمه وسرديته لإعادة خلط الأوراق داخلياً، أو لتبرير خيارات أمنية وسياسية متناقضة.
 
كما أن إعادة تدوير التهديد الداعشي، إعلامياً أو سياسياً، تُستخدم في لبنان لتغذية سجالات داخلية حول السلاح، والشرعية، ودور الدولة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى مقاربة هادئة تعالج جذور الهشاشة لا أعراضها.
 
في المحصلة، لا تشير الضربات الأميركية إلى تحوّل جذري في الاستراتيجية، بقدر ما تعكس استمرار سياسة "إدارة الخطر": ضربات موجعة عند تجاوز الخطوط الحمراء، في مقابل الإبقاء على التهديد في حالة إنهاك دائم من دون حسم نهائي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تريد واشنطن فعلاً إنهاء "داعش"، أم أنها تفضّل الإبقاء عليه كورقة ضغط مرنة، تُستخدم كلما تغيّرت التوازنات الإقليمية؟
 
Advertisement
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi