بعد أعوام من التردد، حسمت راحيل يهودا (35 سنة) قرارها وبدأت بحزم أمتعتها للهجرة بعيداً من إسرائيل، ليس هرباً من الأزمة الاقتصادية أو بحثاً عن الأمان في بلد ينعم بالهدوء، بل لأن نمط الحياة العلمانية الذي ترعرعت فيه منذ طفولتها بات مهدداً بالزوال في ظل حكومة، نصف الائتلاف فيها يرتكز على أحزاب دينية تعمل على تعميق القوانين الدينية في الحياة العامة لتحويل إسرائيل إلى دولة دينية.
وإلى جانب ما تلمسه يهودا من زيادةٍ في الفجوات القائمة بين الموازنات والامتيازات الممنوحة للعلمانيين، وتلك الممنوحة للمتدينين، خلال الأعوام الأخيرة، لا تزال أحزاب "الحريديم" المتشددة تسعى إلى دمج الشريعة اليهودية في نسيج الدولة
الإسرائيلية لحماية نمط حياتهم بعيداً من تأثيرات العلمانية الغربية، مستغلين موقعهم القوي في الحكومة لتمرير مصالحهم، وبخاصة في ما يتعلق بالخدمة العسكرية والتعليم الديني.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة، أو المتوقعة، في عام 2026، يشعر الإسرائيليون العلمانيون أكثر من أي وقت مضى أنهم أمام انتخاباتٍ حاسمةٍ ومفصلية تعيد رسم توجهاتهم نحو
المستقبل، وسط تخوفاتٍ حقيقية من أن تصبح فيه العلمانية داخل إسرائيل غير ذات معنى أو أهمية وسط تحولها إلى دولة يديرها متدينون، كيف لا وقد أصبح تكاثر جمهور المتدينين من
التيار الديني المتزمت (الحريدي)، ومن التيار الديني الصهيوني، الذي يتشدد أكثر دينياً، أكثر من ضعفي وثلاثة أضعاف نسبة التكاثر لدى الجمهور العلماني.
ووفقاً لتقريرٍ سابق أعده معهد إسرائيل للديمقراطية، فإنّ 70 في المئة من العلمانيين
في إسرائيل أصبح لديهم قلق من إمكانية الحفاظ على نمط حياتهم العلماني تحت إدارة رئيس الحكومة الحالية بنيامين نتنياهو، وبيّن الاستطلاع أن 75 في المئة من المُستطلَعة آراؤهم يعتقدون أن تأثير الجماعات الدينية، وعلى رأسها الحريديم، في السياسة الإسرائيلية كبير جداً مقارنة بالنسبة التي يمثّلونها من إجمال عدد السكّان، إذ يتخطّون حالياً 1.3 مليون نسمة، بنسبة تقارب 14 في المئة من إجمال السكّان، ومن المقدّر أن تتصاعد أعدادهم لتصل إلى 50 في المئة بحلول عام 2059.
وقد أشار موقع "فورين بوليسي" إلى أن العلمانيين في إسرائيل يشعرون بالخطر الشديد من وصول المُتديّنين إلى ذروة جديدة، وامتلاك الأحزاب الدينية قوةً أكبر، وأظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية، في شأن مدى شعور سكّان المدن الإسرائيلية بهُويّة المناطق التي يسكنونها، أن 42 في المئة من المشاركين فيه اعتقدوا أن مدنهم أصبحت تميل نحو التديّن بصورة مُطّردة في الأعوام الأخيرة، وأن 34 في المئة من العلمانيين كانوا يفضلون الانتقال للعيش في مدن أخرى بسبب التوتّر الحاصل من الاحتكاك مع المُتديّنين.
تحولات جذرية
بحسب تحليلات تتناول مستقبل الدولة في ظل سيطرة اليمين الديني، يرى كثر أن ما تواجهه إسرائيل من تحولاتٍ خلال الأعوام الأخيرة وجنوح نحو مزيد من الطابع الديني القومي، يثير مخاوف حقيقية من تآكل أسسها الديمقراطية والعلمانية، ويزيد من الانقسامات الداخلية والخارجية.
وعلى رغم كل ما يعانيه الشارع
الإسرائيلي من اضطرابات سياسية وأمنية، اتّسعت فيه الجبهات الخارجية وتعمّقت فيه الشروخ المجتمعية جراء التحوّلات الكبيرة التي فرضتها أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما شكلته من نقطة انعطاف قوية في الوعي الجمعي الإسرائيلي فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة، استعاد قوته الانتخابية ونجح في تجديد سلطته السياسية على رغم أزماته القضائية والضغوط الداخلية.
وبحسب آخر استطلاعٍ للرأي أجرته قناة "12" الإسرائيلية مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2025، فإنه لو أُجريت الانتخابات الإسرائيلية اليوم، لكان حزب "الليكود" بقيادة نتنياهو أكبر حزب في الكنيست، بـ25 مقعداً.
ورأى 38 في المئة من المشاركين في الاستطلاع، أن نتنياهو هو الأنسب لمنصب رئاسة الحكومة مقارنة بمنافسيه. وأظهر استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في الفترة ذاتها، تصدُّر حزب نتنياهو قائمة الأحزاب الإسرائيلية.
في حين تعاني أحزاب
المعارضة الإسرائيلية ("يش عتيد" و"المعسكر الرسمي" و"العمل" و"ميرتس" وغيرها) من التفكك والضعف، ويرى مناحيم لازار، متخصص استطلاعات الرأي في صحيفة "معاريف"، أن مكاسب حزب "الليكود" ترتكز بالأساس من داخل كتلة اليمين المتطرف، لا من انتقال أصواتٍ من المعسكر المعارض، فمقابل كتلة اليمين الأرثوذكسي المتطرف التي لا تتجاوز 51 مقعداً، هناك معارضة يهودية ستظل عاجزة عن تشكيل غالبية من دون الأحزاب العربية، وهو ما يدلل وفقاً للازار أن الخريطة الحزبية لا تزال متوازنة وهشة، في حين يؤكد الكاتب والباحث في الدراسات اليهودية لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية يائير أسولين على وجود "ضمور فكري لدى المعارضة الإسرائيلية وعجزها عن تحريك المجتمع الإسرائيلي، أو توحيده حول رؤية جديدة".
هجرة المعارضة
وفي وقت تواجه فيه المعارضة تراجعاً في التماسك والشعبية، تشير الأرقام والبيانات إلى ارتفاع نسب الهجرة بين جمهورها، ووفقاً لبحث نشره "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" نهاية الشهر الماضي، فإن رُبع المواطنين اليهود يدرسون إمكانية مغادرة إسرائيل والانتقال للعيش في دولة أخرى بصورة موقتة أو دائمة.
وكان مستوى التديّن بحسب المعهد هو العامل الأكثر تأثيراً في دراسة إمكانية الهجرة، إذ تبيّن أن 39 في المئة من العلمانيين يفكرون بالهجرة، التي تتراجع بين المتدينين إلى 19 في المئة وتنخفض إلى ثلاثة في المئة فقط بين الحريديين.
ويؤكد "معهد السياسات اليهودي" أن الهجرة التي ترتفع كثيراً بين الشرائح العلمانية من الفئات العلمّية والمهنية الحضرية والقطاع التقني والأكاديمي والطبي، غالبيتها العظمى من جمهور المعارضة البرلمانية.
وتشير جميع استطلاعات الرأي الإسرائيلية، التي تصدر تباعاً منذ الانتخابات الأخيرة، خصوصاً في العامين الأخيرين، إلى أن الفارق بين مجموع ما تحصل عليه أحزاب المعارضة البرلمانية الصهيونية، وبين مجموع مقاعد الفريق الحاكم حالياً، يتراوح ما بين 8 و12 مقعداً.
وقد أوضح المحلل السياسي في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) برهوم جرايسي أن هذه الفرضية ترتكز على أن الطابع الجماهيري للفريق الحاكم الذي بغالبيته العظمى من الجمهور المتدين والمحافظ، لا يسارع لهجرة "الوطن الموعود".
إذ إن نصف المقاعد الـ64 التي شكلت الائتلاف الحاكم حالياً، بعد الانتخابات الأخيرة عام 2022، كانت لأحزابٍ دينية، من الحريديم والتيار الديني الصهيوني، وهي في الأعوام الأخيرة تمنح أصواتها لحزب "الليكود" المقرب منها بدرجةٍ كبيرة.
ووفقاً للتقديرات، فإن فريق المعارضة البرلمانية سيخسر ما بين مقعدين إلى أربعة مقاعد برلمانية افتراضية إذا ما ارتبط الأمر بنسب الهجرة المتزايدة بين ناخبيه من العلمانيين والليبراليين.
وبحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية في أكتوبر 2025، هاجر بين رأس السنة العبرية في العام الماضي والعام الحالي من إسرائيل 79 ألف إسرائيلي، وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أنه لا توجد لدى الحكومة الإسرائيلية خطة لوقف ظاهرة الهجرة هذه ولتشجيع المهاجرين على العودة إلى إسرائيل.
تشريعات انتخابية
بحسب التوقعات الإسرائيلية، فإن الجولة الانتخابية المقبلة هي الأكثر احتداماً منذ قيام إسرائيل في عام 1948، لا بسبب استمرار هيمنة الأحزاب اليمينية الدينية القومية على المشهد العام وحسب، بل لأن الحكومة الإسرائيلية تعمل على قدم وساق من أجل استحداث وتعديل تشريعات انتخابية من شأنها إحكام السيطرة والهيمنة على الحكم بصورة أعمق خلال الجولات المقبلة.
ومنذ مطلع العام الماضي، أُعيد طرح قضية تعديل "نسبة الحسم" التي تُمكن الأحزاب من دخول الكنيست وتبلغ حالياً 3.25 في المئة من مجمل الأصوات الصحيحة، في محاولة من الائتلاف الحكومي ضمان وصول كل شركاء نتنياهو في الحكومة إلى الكنيست المقبل.
وبينما يرى حزب "الليكود" أن رفعها يسهم في "توحيد معسكر اليمين"، يدافع حزب "الصهيونية الدينية" الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش وقادة أحزاب يمينية صغيرة، عن خفضها لضمان بقائهم داخل الكنيست بعد تراجع شعبيتهم في الاستطلاعات الأخيرة.
ووفق تحليلٍ نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، فإن تعديل نسبة الحسم من شأنه ترسيخ هيمنة اليمين الديني القومي، مقابل تهميش الأحزاب المعارضة والعربية الصغيرة، خصوصاً وأنها تتزامن مع طروحاتٍ لتشديد شروط الدعم المالي للأحزاب وربطها بالحجم البرلماني القائم ومحاولاتِ تعزيز الرقابة على الخطاب السياسي والإعلامي للأحزاب خلال فترة الانتخابات.
وبحسب تحليلات مركز "رؤية" للتنمية السياسية، فإن الائتلاف الحاكم في إسرائيل يسعى إلى جانب كل ذلك إلى إلغاء وتقييد التوجهات التي تنادي بإتاحة المجال لتصويت الإسرائيليين المقيمين في الخارج، إذ لا تزال الانتخابات الإسرائيلية مقتصرة على الناخبين المقيمين داخل حدود دولة إسرائيل فقط، باستثناء بعض الفئات المحدودة مثل الدبلوماسيين وموظفي الدولة في البعثات الخارجية.
ووفق القراءات الإسرائيلية وسيلٍ من التحليلات والاستطلاعات، فإن الإسرائيليين في المرحلة المقبلة، وسط هيمنة اليمين الإسرائيلي بصورة كبيرة على المشهد السياسي، يقفون أمام تغيراتٍ دراماتيكية وانتخاباتٍ مصيرية، ليس لإيجاد بديل سياسي يعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد، بل لإيجاد زعامةٍ جديدة تحت ظل اليمين.
وتظهر بياناتُ معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 70 في المئة من اليهود الإسرائيليين اليوم يعرفون أنفسهم باليمين أو اليمين المعتدل، في مقابل أقل من 10 في المئة يعرفون أنفسهم باليسار، في حين تدنت نسبة سكّان القدس اليهود ممن يعرّفون على أنفسهم كعلمانيين إلى تسعة في المئة فقط، مما يؤكد بطريقة أو أخرى ما قاله الصحافي الإسرائيلي في "هآرتس"، نير حسون، حين شبه نسبة العلمانيين المتراجعة بمياه البحر الميت التي تجفّ يوماً بعد يوم، لدرجة أن العلمانيين، بحسب وصفه، سيصلون إلى مرحلةٍ لن يكون التعرّف إليهم في إسرائيل أمراً سهلاً.