تتجه جبهة الجنوب اللبناني نحو مرحلة عالية التوتر، في ظل تضارب التقديرات بين
حزب الله وإسرائيل بشأن توقيت وشكل المواجهة المقبلة، وسط مؤشرات متزايدة إلى أن خيار التصعيد العسكري لا يزال مطروحًا بقوة.
ففيما يلتزم الجيش
الإسرائيلي سياسة الغموض حيال نواياه المباشرة، يعتقد حزب الله أن تل أبيب ماضية في تنفيذ ضربة عسكرية مرتقبة، معتبرًا أن قرارها اتُّخذ سياسيًا، وأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حسم مساره خلال زيارته الأخيرة إلى
الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس دونالد ترامب.
وفي المقابل، وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، استغل حزب الله انشغال
إسرائيل بتحويل تركيزها نحو
إيران، وبدأ بسرية تعزيز انتشار وحداته وقواته الاستراتيجية جنوب نهر الليطاني، في خطوة تعكس استعداده لسيناريو تصعيد واسع.
وذكرت صحيفة معاريف أن غموض الموقف الإسرائيلي إزاء حسم المواجهة مع حزب الله دفع الرأي العام
في إسرائيل إلى الاعتقاد بأن تل أبيب، رغم عملياتها العسكرية شبه اليومية، لم تحقق حتى الآن نصرًا حاسمًا في جبهتها الشمالية.
ولفتت إلى أن مستوطنات
الشمال باتت المعيار الحقيقي للردع، بعدما تحولت إلى مناطق شبه مهجورة عقب نزوح أكثر من ثلثي سكانها وإغلاق معظم مرافقها التجارية.
وبرأي الصحيفة، فإن الطريق لا يزال طويلًا أمام إسرائيل، مع إدراك متزايد، سواء في تل أبيب أو
بيروت، لاحتمال اندلاع "جولة قتال ثانية" تُعدّ، من وجهة النظر
الإسرائيلية، شرطًا لإعادة الحياة الطبيعية إلى الشريط الحدودي من رأس الناقورة حتى جبل الشيخ.
ورغم ذلك، يواصل نتنياهو إدارة المشهد بسياسة التعتيم، مكتفيًا بزيارات ميدانية للشمال، آخرها زيارته المعلنة أمس الثلاثاء إلى مستوطنة كريات شمونة، التي بررها بالاطلاع على أوضاع المصابين جراء الهجمات، في محاولة لاحتواء الضغط الداخلي.
وفي سياق الحرب النفسية وتبادل الرسائل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أعد، بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية والقيادة الشمالية، ملفًا واسعًا يتضمن معلومات عن تحركات حزب الله غير المعلنة وآليات التعامل معها. كما أكدت المؤسسة العسكرية أن خطة العمل القتالية باتت جاهزة للتنفيذ عند اتخاذ القرار السياسي.
وفي الوقت نفسه، تروّج تل أبيب لتفضيلها المسار الدبلوماسي، لكنها تربط ذلك، وفق خطابها الرسمي، برفض حزب الله حصر السلاح بيد الدولة
اللبنانية، معتبرة أن هذا الواقع "يفرض" على الجيش الإسرائيلي التدخل.
أما في تقديرات حزب الله، فتقوم فرضية التصعيد على ثلاثة عناصر: أولها أن إسرائيل تسعى لاستغلال التحولات الإقليمية، بما فيها سقوط نظام بشار الأسد في
سوريا؛ ثانيها أن الاحتجاجات داخل إيران قد تدفع تل أبيب إلى محاولة توجيه ضربة استباقية لإضعاف نفوذ طهران الإقليمي؛ وثالثها الاعتقاد بأن نتنياهو حصل بالفعل على ضوء أخضر أميركي لشن هجوم واسع على
لبنان.
وفي إطار التمهيد الميداني، شن الجيش الإسرائيلي أمس الثلاثاء هجومًا جديدًا استهدف عناصر من حزب الله في منطقة خربة سالم جنوب لبنان. وكان قد نفذ قبل ذلك، بأيام، عملية شمال نهر الليطاني قال إنها طالت مستودعات صواريخ تابعة لحزب الله وحركة حماس، تضم صواريخ دقيقة وبعيدة المدى.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن حزب الله تكبّد خسائر كبيرة خلال جولة القتال الماضية، سواء على مستوى ترسانته أو قيادته العليا وبنيته العسكرية، إلا أن تل أبيب لا تزال ترى أن هذه الضربات لم تُنهِ التهديد، ما يُبقي احتمالات الانفجار العسكري قائمة في أي لحظة.