التطورات المتسارعة في المنطقة لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا متفرقة أو ردود فعل عابرة. ثمة رابط غير معلن بين التصريحات، التحركات، وحتى الصمت في بعض الملفات، ما يوحي بأن شيئًا ما يتم التحضير له في الكواليس قد يكون مشابها لما حصل في فنزويلا.
هذا الانطباع لا يأتي من فراغ، بل يتعزز مع مواقف أميركية بدت في الآونة الأخيرة غير مألوفة، لا سيما في ما يتعلق بإيران.
تصريحات الرئيس الأميركي تجاه
طهران حملت نبرة متناقضة وغريبة. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تذهب
واشنطن نحو تشديد الضغوط أو على الأقل تثبيت خطابها التقليدي، ظهر تراجع واضح في بعض المواقف، أبرزها الانسحاب المريب من فكرة حماية المتظاهرين، وهو ملف لطالما استُخدم كورقة ضغط سياسية وإعلامية.
هذا التراجع لا يمكن فصله عن حسابات أكبر، ويعكس على الأرجح إدراكًا أميركيًا بأن أي خطوة مقبلة يجب أن تكون محسوبة بدقة، أو لا تكون.
الخطوة التي يجري الإعداد لها، إن حصلت، يجب ألا تحتمل التدرج ولا المراوحة. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي عملية بطيئة أو طويلة ستتحول تلقائيًا إلى حرب استنزاف، وهو السيناريو الأسوأ بالنسبة لواشنطن وتل أبيب. الاستنزاف العسكري، مهما كان محدودًا في بداياته، سيعيد خلط الأوراق لمصلحة
إيران، التي أثبتت قدرتها على الصمود وإدارة الوقت، فيما ستجد
إسرائيل نفسها تخسر تدريجيًا معظم المكاسب التي حققتها في المرحلة الماضية، سواء على مستوى الردع أو التموضع الإقليمي.
المفارقة أن الفشل في الحسم السريع لن ينعكس فقط عسكريًا، بل سياسيًا أيضًا. أي اهتزاز في صورة القوة الأميركية أو
الإسرائيلية سيترجم فورًا في ساحات المنطقة المختلفة، من
الخليج إلى شرق المتوسط، وسيمنح طهران هامشًا أوسع لإعادة فرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، تتزايد أهمية
إيران على الساحة الدولية، وخصوصًا بالنسبة لقوى كبرى مثل
الصين وروسيا. هذا الاهتمام لا ينطلق من اعتبارات مبدئية، بل من حسابات استراتيجية بحتة، خاصة بعد نجاح واشنطن في السيطرة على فنزويلا، وما تلاه من تحركات باتجاه غرينلاند، في إطار صراع أوسع على الموارد والممرات الحيوية.
هذه الوقائع تجعل أي مواجهة مع إيران أكثر تعقيدًا، لأن نتائجها لن تبقى محصورة في الإقليم، بل ستتداخل مع صراع دولي أوسع على النفوذ والتوازنات.
من هنا، يبدو أن المنطقة تقف على عتبة مرحلة دقيقة، حيث الخطأ في التقدير قد يكون مكلفًا، ليس فقط لمن يقدم عليه، بل لكل من يظن أنه يمكن ابقاء المشهد تحت السيطرة.