ذكرت صحيفة "The Hill" الأميركية أن "الجغرافيا لا زالت مهمة، ويكتسب القطب الشمالي أهمية استراتيجية متزايدة. ومن هنا تأتي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة بشأن ضم غرينلاند أو شرائها أو حتى احتلالها. ويكمن فشل الحجج المؤيدة للاستحواذ على غرينلاند في افتراض أن الملكية الرسمية لتلك المنطقة ضرورية أو حكيمة لأمن الولايات المتحدة. والخطأ هنا هو اعتبار الواقعية مبرراً لتجاهل التكاليف التي لا تتناسب تماماً مع حسابات ميزان القوى".
وبحسب الصحيفة، "إن "الواقعية"، بما فيها
التيار المرتبط بالمفكر الأميركي جون ميرشايمر، هي أداة لفهم المنافسة، وليست تفويضاً لتحقيق نتائج مثالية. وحتى في إطار المنطق الواقعي، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل كل ما تحتاجه في غرينلاند: حقوق التمركز، وبنية المراقبة التحتية، وحرية العمل، والوصول المدعوم بالمعاهدة والمضمون من خلال الدنمارك وحلف شمال الأطلسي. هذه ليست تنازلات رمزية، بل هي حقائق عملية، والادعاء بأن السيادة يجب أن تنتقل من يد إلى أخرى للحفاظ على الميزة هو خلط بين النفوذ والملكية".
وتابعت الصحيفة، "إن التحالفات، بعيدًا عن كونها مجرد روابط عاطفية تُضيف تكاليف، تنطوي على متغيرات استراتيجية. فالقوة لا تُمارس في فراغ، ولا يعتمد النفوذ العالمي للولايات المتحدة على الجغرافيا والعتاد فحسب، بل أيضًا على الصدقية وثقة الحلفاء بأن ضماناتنا الأمنية ليست مجرد مطالبات مشروطة. إن تقويض هذه الثقة لحل مشكلة لها حلول عملية ليس "واقعية"، بل هو مخاطرة ذاتية. وفي الحقيقة، لا يجب في هذه الحالة استحضار التاريخ. فقد حدثت عمليات الاستحواذ على صفقة لويزيانا، وألاسكا، وبنما، وجبل طارق في سياقات قانونية ودبلوماسية وإمبريالية مختلفة تماماً، تختلف عن بعضها البعض وتختلف عن الوضع الحالي، كما وأنها تسبق النظام الدولي الحديث الذي ساهمت الولايات المتحدة نفسها في بنائه، وهو نظامٌ تُعدّ فيه تماسك التحالفات، والتوافق، والشرعية عواملَ مُضاعفة للقوة، لا مجرد ترف. والقول بخلاف ذلك يعني افتراض أن بإمكان الولايات المتحدة التخلي عن القواعد التي تستفيد منها دون عواقب".
وأضافت الصحيفة، "الأهم من ذلك، أن هذا النقاش يُهمّش سكان غرينلاند أنفسهم. إن الاعتراف بالحكم الذاتي مع إعلان السيادة "قابلة للتفاوض" عندما تشعر القوى العظمى بالتهديد ليس تحليلاً منطقياً، بل هو تأكيد معياري على أن الكيانات السياسية الأصغر لا تُعتبر ذات أهمية إلا عندما تفقد هذه الأهمية. قد يكون هذا الموقف فظاً، لكن الفظاظة لا تجعله صحيحاً أو حكيماً من الناحية الاستراتيجية. لا تواجه الولايات المتحدة خياراً ثنائياً بين التوسع الإمبراطوري والانسحاب الاستراتيجي، فهي بإمكانها توسيع قدراتها في القطب الشمالي، وتعميق التعاون مع الدنمارك وغرينلاند، والاستثمار في البنية التحتية، ومواجهة النفوذ الروسي والصيني دون تحويل أراضي حليف إلى ساحة اختبار للهيمنة الأميركية. هذه الخيارات متاحة اليوم، بتكلفة أقل وشرعية أكبر".
وختمت الصحيفة، "لا يتطلب مبدأ "الواقعية" التخلي عن ضبط النفس، بل وضوحاً بشأن المصالح والمفاضلات والآثار الثانوية. وبناءً على هذا المعيار، فإن اعتبار الاستحواذ على غرينلاند أمراً حتمياً أو ضرورياً ليس واقعياً على الإطلاق، بل هو مجرد تجاوز للحدود مُقنّع بحجة الحتمية".