في اللحظة التي تصاعدت فيها التهديدات الأميركية تجاه
إيران، لم يظهر أي تحرّك جدّي من حلفائها، إذ غابت المواقف السياسية الواضحة، كما لم يُسجَّل أي اصطفاف دولي معلن أو استعداد للتقدّم إلى الواجهة دفاعاً عنها. هذا الغياب لم يبقَ في هامش المشهد، بل تحوّل سريعاً إلى عنصر ضاغط في
النقاش السياسي، وفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول موقع إيران داخل شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية، وحول ما إذا كانت هذه الشبكة قادرة فعلاً على ترجمة نفسها إلى دعم فعّال عند لحظة الاختبار.
ولعلّ أي مقاربة واقعية للمشهد لا يمكنها القفز فوق هذا الواقع. فروسيا لم تذهب أبعد من حدودها المحسوبة، والصين بقيت داخل هامش الحذر، فيما لم تظهر في المنطقة أي مؤشرات تعبئة توحي بأن التصعيد مرشّح للتحوّل إلى مواجهة متعددة الأطراف. هذا الواقع لا يُقرأ بوصفه فراغاً سياسياً، بل كانعكاس مباشر لطبيعة العلاقات التي بنتها
طهران، ولحدود الأدوار التي يلتزم بها كل طرف عندما يقترب الصراع من خطوطه الحسّاسة.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة، فإنّ إيران لم تبنِ علاقاتها على نموذج التحالفات الدفاعية التقليدية، ولم تُنشئ التزامات أمنية صلبة تفرض على شركائها الاصطفاف العلني عند كل تصعيد. فعلاقاتها، في معظمها، قائمة على تقاطع مصالح محدود بسياقاته، لا على تعاقد سياسي أو عسكري طويل الأمد، وهو نموذج وفّر لها هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت نفسه رسم سقف الدعم الممكن وحدّد حجمه عند لحظة المواجهة.
في هذا الاطار، لا يمكن التعامل مع
روسيا أو
الصين كطرفين غائبين بالمعنى السياسي المباشر، ولا كحلفاء حاضرين بالمعنى العسكري. إذ انّ الدولتين تنظران إلى إيران باعتبارها أحد ملفات الصراع مع
الولايات المتحدة الاميركية، وليست كقضية تستدعي المخاطرة بتوسيع المواجهة. حيث أن حساباتهما تتصل بتوازن النظام الدولي، وهو ما يفسّر التمسك بخطوط دعم غير صدامية، تقيّد القرار الأميركي من دون الانتقال إلى الاشتباك المباشر.
إقليمياً، تبدو الصورة أكثر هشاشة. فالقوى المرتبطة بإيران لا تملك قرار الحرب ولا القدرة على تحمّل تبعاتها الشاملة، وهي تعمل ضمن بيئات داخلية معقّدة لا تسمح بالمغامرة المفتوحة. لذلك، فإن غيابها عن الواجهة لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الدور، لكنه يكشف حدود هذا الدور عندما ينتقل الصراع إلى مستوى دولي واسع.
في هذا السياق، تجد إيران نفسها أمام اختبار مختلف في طبيعته، إذ إن شبكة علاقاتها، على اتساعها، لا تتحوّل تلقائياً إلى مظلة حماية، ما يضع طهران أمام معادلة دقيقة تقوم على إدارة المواجهة بقدراتها الذاتية أو التكيّف مع ميزان ضغط غير متكافئ، وهو واقع لا ينفي امتلاكها أدوات الرد بقدر ما يضيّق هامش الخيارات ويجعل أي قرار بالتصعيد عالي الكلفة ومحكوماً بحسابات سياسية وأمنية معقّدة.
في المحصّلة، لا ترتبط المسألة بخيانة حلفاء أو بتخلّي أطراف، بل بنموذج علاقات لم يُصمَّم أصلاً لإنتاج مشهد حشد عند لحظة المواجهة. هذا الخيار، وإن كان قائماً على حسابات مدروسة، يترك أثره السياسي الواضح، ويعيد طرح سؤال جوهري حول قدرة أي دولة، مهما امتلكت من عناصر قوة، على الصمود طويلاً في غياب شبكة دعم صلبة وقابلة للترجمة عند لحظات الضغط القصوى.