تتجه الأنظار الدبلوماسية اليوم نحو مدينة جنيف، التي تستعد لاستضافة الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين
إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمانية، وذلك بعد جولة تمهيدية عُقدت في مسقط مطلع الشهر الجاري.
وتأتي هذه المحادثات وسط أجواء إقليمية بالغة التعقيد، يطبعها نذير مواجهة عسكرية شاملة وحشود أميركية متصاعدة، تزايدت حدتها عقب زيارة رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى
واشنطن.
أجندة واشنطن وشروط طهران: صراع الإرادات
يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خطاباً مزدوجاً؛ فبينما يعلن رغبته في إبرام اتفاق، يلوّح في الوقت ذاته بتبعات "سيئة" في حال الفشل. وتكشف تصريحات وزير خارجيته، ماركو روبيو، عن سعي واشنطن لفرض "اتفاق موسع" يتجاوز الملف النووي ليشمل منظومة الصواريخ
الإيرانية، ونفوذ طهران الإقليمي، وحتى ملفات السياسة الداخلية الإيرانية.
في المقابل، يرفض
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشكل قاطع إقحام القدرات الصاروخية في أي تسوية، مؤكداً أن طهران لن تفاوض إلا من "موقع متكافئ"، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية داخلية.
أدوات الردع الإيرانية: ماذا لو فشلت الدبلوماسية؟
في ظل اتساع الفجوة وتجارب الفشل السابقة التي بلغت ذروتها باندلاع حرب بين إيران وإسرائيل في حزيران 2025 تبرز تساؤلات حول أوراق القوة التي تملكها طهران لمواجهة التفوق العسكري الأمريكي التقليدي:
-الردع الصاروخي: تظل الترسانة الباليستية الإيرانية الأداة الأبرز لاستهداف القواعد العسكرية في الإقليم، واختبار فاعلية منظومات الدفاع الجوي المتعددة.
-الحرب غير المتناظرة: إمكانية اللجوء لتكتيكات "الإغراق" عبر هجمات كثيفة ومنسقة من الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة لإنهاك الدفاعات التقنية للخصم.
-وحدة الساحات وحلفاء الإقليم: استغلال شبكة "محور المقاومة" في
لبنان والعراق واليمن للضغط على المصالح الأميركية، رغم ما يواجهه هؤلاء الحلفاء من ضغوط محلية لنزع السلاح.
-ورقة مضيق هرمز: يمثل المضيق "الخيار الأخير" والأكثر خطورة؛ حيث إن تهديد الملاحة فيه سيؤدي لأزمة طاقة عالمية تصيب حتى شركاء إيران كالصين، مما يجعل هذا الخيار محاطاً بحسابات دولية معقدة.
الجغرافيا السياسية وقواعد اللعبة
تسعى إيران للاستفادة من الموقف الإقليمي الرافض للانجرار خلف الحرب، حيث تشير التقديرات إلى أن امتناع دول كالسعودية والإمارات والأردن عن فتح أجوائها لأي ضربة قد يحدّ من الخيارات العملياتية لواشنطن.
وفي المقابل، تضع طهران كافة القواعد الأمريكية في المنطقة — من قطر والبحرين وصولاً إلى الكويت وسوريا — ضمن دائرة الأهداف "المشروعة" في حال اندلاع الصدام.
آفاق الحل
بين إصرار إدارة ترمب على انتزاع تنازلات كبرى، وتمسك طهران بخطوطها الحمراء، تبدو مفاوضات جنيف كمحاولة أخيرة لضبط إيقاع التصعيد. ويبقى السؤال معلقاً: هل تنجح الدبلوماسية العُمانية في نزع فتيل الانفجار، أم أن المنطقة تتجه نحو سيناريو القوة الذي لا تضمن أي جهة مآلاته؟
(الجزيرة)