تجري المفاوضات الحالية بين إيران والولايات المتحدة في مناخ إقليمي ودولي بالغ الحساسية، تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، وتتقاطع المصالح السياسية مع مخاوف التصعيد العسكري. وتأتي هذه المفاوضات، التي تستضيفها مدينة جنيف غدا الخميس، في ظل ظروف معقدة تجعل من مسار التفاهم مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.
وترى القيادة
الإيرانية أن تحدي المطالب الأميركية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم والقدرات الصاروخية يمثل مخاطرة محسوبة، لكنها أقل خطورة من تقديم تنازلات قد تُفسَّر داخليًا على أنها مساس بالسيادة والهوية الأيديولوجية للنظام. وفي هذا السياق، تؤكد طهران تمسكها بما تعتبره حقوقًا استراتيجية يكرّسها المرشد الأعلى علي خامنئي، معتبرة أن الحفاظ على هذه الثوابت شرط أساسي لأي تسوية محتملة.
ويكتسب تصريح
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول الفرصة التاريخية دلالة خاصة، إذ يعكس رغبة واضحة لدى طهران في إظهار استعدادها للانخراط الجدي في مسار تفاوضي قد يفضي إلى اتفاق غير مسبوق، شرط أن يقوم على مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على منطق الإملاءات والضغوط.
ولا ينفصل هذا الخطاب عن الواقع الداخلي الإيراني، حيث تواجه الجمهورية الإسلامية ضغوطًا اقتصادية متراكمة بفعل
العقوبات الدولية، ما يدفع القيادة إلى البحث عن مخرج سياسي يخفف من حدتها، من دون الظهور بمظهر الطرف الضعيف أو المتنازل. ومن هنا، يحرص المسؤولون الإيرانيون على التأكيد المتكرر بأن برنامجهم النووي مخصص للاستخدامات السلمية فقط، مع التشديد على رفض امتلاك السلاح النووي، في محاولة لطمأنة المجتمع الدولي والحفاظ في الوقت نفسه على شرعية موقفهم داخليا.
وفي الإطار ذاته، يؤكد نائب وزير الخارجية ماجد تخت روانجي أن المفاوضات تقتصر على الملف النووي حصريا، رافضا توسيعها لتشمل قضايا أخرى مثل الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي. ويعكس هذا الموقف خشية إيرانية من أن يتحول أي اتفاق شامل إلى أداة ضغط دائمة تحدّ من هامش الحركة الاستراتيجية لطهران، وتقيّد دورها الإقليمي مستقبلًا.
وفي موازاة ذلك، تحاول إيران الموازنة بين الانفتاح الدبلوماسي والدفاع عن السيادة الوطنية، من خلال خطاب يؤكد الاستعداد للتفاوض من دون التخلي عن أوراق القوة. كما أن تحذيراتها من الرد على أي هجوم لا تندرج فقط في إطار الردع العسكري، بل تُستخدم أيضًا لتعزيز موقعها التفاوضي ومنع استغلال الضغوط الأمنية لفرض شروط قاسية.
في المقابل، تعتمد
الولايات المتحدة سياسة مزدوجة تجمع بين الدبلوماسية والضغط. فإدارة الرئيس
دونالد ترامب تؤكد أن الحل التفاوضي يبقى الخيار المفضل، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على خيار القوة العسكرية كورقة ردع. وتأتي تصريحات المتحدثة باسم
البيت الأبيض كارولاين ليفيت لتؤكد هذا التوجه، من خلال التشديد على أن القرار النهائي بيد الرئيس، ما يعكس مركزية الملف الإيراني في الحسابات السياسية الأميركية.
كما تصر الإدارة الأميركية على وقف التخصيب والحد من القدرات الصاروخية، معتبرة أن إيران تمر بمرحلة ضعف نسبي يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب تفاوضية. ويؤدي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دورا مهما في تنسيق المواقف مع الكونغرس والحلفاء، بهدف تأمين غطاء سياسي داخلي وخارجي لأي اتفاق محتمل، فضلًا عن طمأنة
إسرائيل التي تنظر بقلق إلى أي تقارب أميركي–إيراني.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل المسار التفاوضي عن التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، سواء عبر تعزيز الوجود البحري أو نشر طائرات متقدمة في قواعد قريبة من إيران. وتشكل هذه التحركات رسالة ضغط واضحة تهدف إلى تقوية الموقع التفاوضي لواشنطن، وإيصال رسالة مفادها أن البديل عن الاتفاق قد يكون مواجهة مكلفة. غير أن هذا الأسلوب ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي أي سوء تقدير إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
وعند تحليل مجمل المشهد، يتضح أن الطرفين يدركان، بحسب مصادر دبلوماسية، كلفة الفشل بقدر إدراكهما لصعوبة النجاح. فإيران تحتاج إلى رفع العقوبات وإنعاش اقتصادها، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى تهديد فعلي، مع الحفاظ على نفوذها الإقليمي وتأمين أمن إسرائيل. ويشكل هذا التقاطع في المصالح نافذة محتملة للحل، لكنه يصطدم بتاريخ طويل من انعدام الثقة والتجارب الفاشلة .
في المحصلة، تمثل مفاوضات جنيف المقررة غدا اختبارا حقيقيا لإمكانية الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية. فنجاحها قد يساهم في تهدئة إقليمية واسعة، ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التوازنات السياسية في
الشرق الأوسط. أما فشلها، فسيعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد والعقوبات والتهديدات العسكرية. وبين هذين المسارين، يفاقم التباين العميق في الرؤى هشاشة المسار التفاوضي، ويجعل الجولة المقبلة محطة مفصلية بين تسوية محدودة أو انزلاق نحو تصعيد مفتوح.