كتب موقع "
سكاي نيوز عربية": في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتكثف التصريحات السياسية والعسكرية لتشكّل خريطة أولية لمسار حرب تبدو مفتوحة على احتمالات متعددة.
وبين إعلان الرئيس الأميركي
دونالد ترامب استعداد بلاده لخوض حرب طويلة الأمد، وتصاعد الضربات
الإيرانية على منشآت وبنى تحتية خليجية، قدّم في المقابل كل دّم كل من الباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية خميس عبيد آل علي، والخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، والأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع قراءات تحليلية لمآلات الحرب خلال حديث خاص إلى سكاي نيوز عربية، مستندين إلى مؤشرات ميدانية وسياسية تتقاطع عند نقطة مفصلية: طول أمد المواجهة وحدود قدرتها على إعادة تشكيل المشهد
الإيراني والإقليمي.
ترامب ورسالة الحرب الطويلة لإيران
أكد خميس عبيد آل علي، الباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ترمي إلى توجيه رسالة واضحة للقيادة الإيرانية بشأن طول أمد الحرب المحتملة في منطقة
الشرق الأوسط.
وقال الباحث إن ترامب أشار إلى أن
الولايات المتحدة مستعدة لخوض هذه الحرب لـ4 إلى 5 سنوات، وربما أطول، مؤكداً أن التعويل الإيراني على رفع الكلفة الإقليمية واستهداف دول المنطقة لن يثني واشنطن عن هدفها الأساسي، وهو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وفرض شروطها على أي قيادة جديدة في
إيران في حال تغير النظام أو سقوطه.
وأوضح آل علي أن الهدف الأميركي عبر هذه التحركات العسكرية يتمثل أولاً في إنهاء القدرات العسكرية للنظام الإيراني، ثم تهيئة الظروف لتغيير النظام عبر خروج الشعب الإيراني إلى الشارع، وإن لم يتحقق ذلك، فستتجه الولايات المتحدة إلى تفاهمات مع قيادة جديدة وفق شروطها.
وقال الباحث إن ترامب يسعى من خلال تصريحاته إلى تذكير إيران بأن الولايات المتحدة مستعدة لهذه الحرب لفترة طويلة، دون الالتفات للضغوط أو التكلفة الزمنية.
صلابة دفاعات دول الخليج
وشدد آل علي على أن التقديرات الإيرانية بشأن استهداف المدنيين بدول الخليج كانت خاطئة، مؤكداً أن دول الخليج تمتلك منظومات دفاع جوي متطورة وأداءً مبهرًا لقواتها المسلحة، قادرة على تجاوز الاعتداءات الإيرانية.
وأشار إلى أن دول الخليج حاولت تفادي الحرب بكل السبل قبل اندلاعها، إلا أن الاعتداءات الإرهابية الغاشمة ما تزال قائمة، مع حفاظ القوات المسلحة على الأمن والاستقرار في المنطقة.
تضافر دولي ضد التهديد الإيراني
وأشار الباحث إلى الموقف الأوروبي الموحد ضد إيران، لا سيما من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، معتبراً أن الدعم الغربي الكبير لدول الخليج يعكس إدراك المجتمع الدولي لأهمية أمن المنطقة باعتباره مرتبطًا بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وقال إن تأمين منطقة الخليج يعزز الأمن الدولي، ومن المتوقع أن يستمر التآزر الدولي لمواجهة تصرفات النظام الإيراني العدوانية.
مؤشرات الحرب والتناقضات الإيرانية
وأكد آل علي أن الحرب لا تزال في أيامها الأولى، مع توقع استمرارها لعدة أيام أو أسابيع، مشيراً إلى المؤشرات العسكرية التي أظهرت انخفاض عدد الصواريخ الإيرانية يوميًا، ما قد يضغط على القيادة الإيرانية للتنازل عن شروطها.
لكنه أشار أيضاً إلى التناقض الواضح في المواقف الإيرانية، بين تصريحات عن استعداد للحوار ونفي أي نية للتفاوض، متوقعاً أن الأيام المقبلة ستكشف مصير الحرب ومصير إيران السياسي.
مضيق هرمز ونتائج التصرفات الإيرانية
كما أشار في الأثناء إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وربطه بالمصالح الدولية، موضحاً أن أي تصرفات عدوانية من إيران تزيد من عزلة الدولة وتضيق خياراتها، بينما يعزز الحصار العسكري والضغط الدولي فرص التوصل إلى قيادة إيرانية حكيمة يمكن أن تنهي الأزمة بسرعة.
الحرس الثوري يتصدر المشهد العسكري الإيراني
من جهته قال الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، إن إيران بنت استراتيجيتها على عامل الوقت، معتبرةً أن أي نزاع طويل الأمد سيجبر الخصم على التفاوض في النهاية.
وأضاف أن القيادة السياسية فشلت في مواجهة الضغوط، ما أتاح للحرس الثوري السيطرة على العمليات العسكرية، وهو ما يظهر بوضوح في تولي
وزير الدفاع الحالي، المنتمي للحرس الثوري، إدارة الخطوط العسكرية.
وأشار العزاوي إلى أن الحرب الإيرانية الشاملة لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تشمل الاقتصاد والسياحة ومضيق هرمز، فضلاً عن ضرب الدول المجاورة والبنى التحتية الحيوية، مؤكداً أن هذه الاستراتيجية تعكس خطورة النظام الإيراني وتهديده المباشر لدول الخليج.
نقاط ضعف الصواريخ الإيرانية
أوضح العزاوي أن قدرات إيران الصاروخية تواجه 3 نقاط ضعف رئيسية: المخزون الاستراتيجي للصواريخ، منصات الإطلاق، ووقود الصواريخ.
وأشار إلى أن استهداف
إسرائيل لشحنات وقود قادمة من الصين أضعف قدرة النظام على التعويض، مما يقلل من فعالية العمليات العسكرية ويحد من صمود إيران في مواجهة الضغوط الدولية.
المدنيون والبنى التحتية: خارج القانون الدولي
قال العزاوي إن السلوك العسكري الإيراني يستهدف المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية، بما فيها المدارس والمستشفيات، دون أي التزام بقواعد النزاع الدولي. وأضاف أن النظام يتصرف بهستيريا القوة، معتقداً أنه يمتلك القدرة على فرض إرادته، بينما دول الخليج، رغم امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة، تركز على الحكمة السياسية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
مضيق هرمز: ورقة الضغط الاستراتيجية
تطرق العزاوي إلى أهمية مضيق هرمز، مشيراً إلى أن إيران سبق أن هددت بإغلاقه، نظراً لدوره الحيوي في تصدير النفط وكونه مساراً أساسياً للصين، التي تعتمد على النفط الإيراني بنسبة 13 بالمئة.
ومع ذلك، أكد أن التفوق البحري والجوي الأميركي، وتجارب سابقة مثل عملية "فرس النبي"، تجعل أي إغلاق كامل للمضيق صعب التحقيق، وأي محاولة منه ستزيد فاتورة إيران الإقليمية والدولية.
الأزمة الإيرانية.. سياسية وعسكرية
وأشار العزاوي في ختام حديثه إلى أن الحسابات الإيرانية الخاطئة تجعل النظام أمام أزمة سياسية وعسكرية كبيرة.
وأوضح أن إيران لن تجد فسحة سياسية أو دبلوماسية، حتى من حلفائها التقليديين مثل عمان وقطر، مؤكداً أن اعتماد النظام على القوة بلا رادع قانوني يعزز خطر التصعيد ويجعل المنطقة أمام تحديات استراتيجية ملموسة.
إيران والخليج.. وتهديد الاستقرار الإقليمي
أكد الأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية، أن منطقة الخليج تواجه حربًا فرضت عليها دون رغبة مسبقة أو مصلحة مباشرة.
وأوضح المناع أن دول مجلس التعاون قد تصرفت دائمًا بنوايا طيبة تجاه إيران، سواء قبل اندلاع الحرب أو أثناء الأيام التي سبقتها، مؤكدًا أن التصعيد الإيراني يمثل حماقة غير مبررة، وربما غير قابلة للتبرير بأي دوافع منطقية.
وقال المناع: "قد أرادت إيران أن توحي بأنها تحارب العالم كله وأن كل الدول تحت سيطرة الولايات المتحدة، وهو ما يبرر، في نظرها، عملياتها العدائية"، مشيرًا إلى أن هذا «الجنون الإيراني» استهدف كل المنطقة، بما فيها دول الخليج والأردن، وحتى قبرص في بعض الحالات.
وأضاف أن دول الخليج أبلغت إيران مسبقًا بعدم الانخراط بأي عمل عدائي ضدها، مؤكدة وجود قواعد أميركية على أراضيها، وهو ما يجعل أي هجوم إيراني غير مبرر على هذه الدول.
ورأى أن هذه الهجمات سببت اضطرابًا واسعًا في الحياة اليومية، بما يشمل التعليم والعمل، من دون أي سبب سوى اعتبار هذه الدول حليفة للولايات المتحدة.
التوتر النفسي الإيراني واستراتيجية المواجهة
وأشار المناع إلى أن إيران تعتقد أنها المقاومة الوحيدة للولايات المتحدة، وتصفها بـ"الشيطان الأكبر" أو "الاستكبار العالمي"، وتعتبر كل الدول الأخرى تبعية لها.
وأضاف أن هذا السلوك يعكس تجاهلًا لقيم الجوار والاحترام الإسلامي، حيث يجب على الدول الإسلامية احترام حقوق الجوار والتجاوز عن الأخطاء.
وفسر المناع الهجمات الإيرانية بأنها نتاج حالة نفسية متوترة، وربما خيبة أمل بسبب فشل التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل العمليات الأخيرة.
وأشار إلى احتمال أن يكون اغتيال المرشد علي خامنئي في اللحظات الأولى للهجوم الأميركي
الإسرائيلي قد أثر على قيادة إيران، مما ساهم في تصعيدها العشوائي.
دوافع الهجمات وأبعادها الإقليمية
أكد المناع أن إيران كانت على استعداد للتفاوض مع الولايات المتحدة، وكان بإمكانها الالتزام بكل متطلبات واشنطن، إلا أن ضغوطًا إسرائيلية وأميركية استعجالية دفعت إلى توجيه الضربات المبكرة.
ولفت إلى أن الإيرانيين لم يمتلكوا سوى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وأنهم حاولوا التراشق لضمان وقف الضربات الأميركية، كما أن استهداف دول مجلس التعاون يهدف بالأساس للضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية للتدخل، وليس للإضرار بها مباشرة.
وأشار المناع إلى أن اختيار إيران البدء بدول تربطها علاقات طيبة معها شعبيًا ورسميًا، رغم كونها كانت وسيطًا للتهدئة مثل قطر وعمان والسعودية، يعكس عدم احترام حق الجوار والاعتماد على استراتيجية استغلال الوقت لصالحها، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
الخليج بين الدفاع والضغط الشعبي
حذر المناع من أن استمرار الهجمات الإيرانية قد يدفع شعوب دول الخليج لمطالبة حكوماتها بالرد على انتهاك السيادة الوطنية، ما قد يؤدي إلى مغامرة عسكرية غير مرغوبة.
وشدد على أن دول الخليج، رغم علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، تعاملت مع إيران تجاريًا وسياحيًا ودينيًا، وأن الهجمات الإيرانية كانت ردًا غير مبرر على مواقف خليجية محايدة، ما يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية العقلانية لدى القيادة الإيرانية في التعامل مع جيرانها.