أعلن الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب أن بلاده "في مفاوضات" مع
إيران، في الرابع والعشرين من آذار، ورغم نفي طهران كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن وثيقة من 15 بندًا أرسلتها
واشنطن إلى طهران عبر وسيط لم يكن متوقعًا هو إسلام آباد.
باكستان التي لم تلعب في تاريخها دور الوسيط في صراع يتجاوز علاقاتها الثنائية المباشرة، وجدت نفسها فجأة في قلب أخطر أزمة دبلوماسية في العقد، فيما أكدت باكستان، اليوم، أنها لا تزال "تنقل الرسائل" بين واشنطن وطهران.
وفي مقابلة مع مجلة "لو فيغارو"
الفرنسية، يشرح الباحث كريم باكزاد من معهد IRIS المتخصص في ملف إيران وباكستان وأفغانستان "لماذا إسلام آباد وليس مسقط أو أنقرة؟".
لسنوات طويلة كانت عُمان تحتل هذا الدور بامتياز. الجغرافيا مناسبة، والمسافة من الصراعات الكبرى آمنة، والعلاقات مع طهران وواشنطن متوازنة. لكن الحرب
الإيرانية غيّرت هذه الحسابات دفعةً واحدة.
ضرب صاروخ إيراني أحد الموانئ العُمانية، وحتى لو قدّمت طهران اعتذارًا رسميًا، فإن مسقط لم تعد قادرة على الجلوس في المنتصف بنفس المصداقية، "عُمان لا تستطيع الاضطلاع بدورها بشكل ملائم في هذا السياق"، يقول باكزاد بصراحة.
لماذا ليست
تركيا؟
تركيا مرشح منطقي آخر: دولة كبرى، تربطها علاقات مع طهران وواشنطن معًا، وتطمح لأدوار إقليمية أكبر. لكن ثمة عائق حاسم: تركيا تحتضن على أراضيها واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، قاعدة إنجيرليك.
فأي وساطة تركية ستبدو في عيون طهران مُلوّثة بالقرب من العدو المباشر. فضلاً عن ذلك، تدعم تركيا الموقف
الإيراني في بعض مسائل الصراع، مما يُقلّص قدرتها على تقديم ضمانات متوازنة للطرفين.
باكستان.. تقاطع نادر بين الولاءات
ما يجعل باكستان المرشح الاستثنائي هو تقاطع نادر يصعب إيجاده في غيرها. مع إيران: البلدان يتقاسمان حدوداً طويلة، وكلاهما دولة مسلمة غير عربية، ونحو ثلاثين بالمئة من الباكستانيين، أي ثلاثون مليون شخص، من المسلمين الشيعة، مما يجعل باكستان ثاني أكبر دولة شيعية في العالم بعد إيران نفسها.
باكستان تؤكد:
إسرائيل شطبت عراقجي وقاليباف من قائمة الاغتيال
مع
الولايات المتحدة الرابط أعمق تاريخياً؛ ففي الثمانينيات كانت باكستان
القاعدة الخلفية للمقاتلين الأفغان الذين دعمتهم واشنطن ضد الاتحاد السوفيتي. والأهم أن الجيش الباكستاني ومخابراته حافظا على قناة تواصل مع واشنطن حتى في أشد لحظات التوتر.
زار الجنرال سيد عاصم منير، رئيس أركان الجيش ورئيس المخابرات السابق، واشنطن مرتين في 2025 وهو أمر نادر في التاريخ الباكستاني، فيما
ترامب يُسمّيه "مارشالي المفضل"، إن كانت "نيويورك تايمز" تشير إلى دور منير، يقول باكزاد، "فنحن شبه متأكدين أن باكستان لعبت دور الوسيط فعلاً".
ماذا رفض الإيرانيون؟
طهران لم تُنكر فحسب المفاوضات بل رفضت الوثيقة الأمريكية. السفير الإيراني في إسلام آباد والمتحدث باسم الحرس الثوري أصدرا نفياً متزامناً. ُويفسّر باكزاد هذا الموقف: "الإيرانيون لن يجلسوا إلى طاولة مباشرة مع الأمريكيين طالما القصف مستمر".
لكنه يرى أن الأرضية للاتفاق موجودة حين تتوقف العمليات؛ طهران قد تقبل ضمانات نووية معززة وتفتيشاً أوسع من وكالة الطاقة الذرية، لكنها لن تتخلى عن حق تخصيب اليورانيوم للأغراض المدنية حتى 5 أو 6 بالمئة، ولن تقبل تحت أي ظرف تقليص برنامجها الصاروخي.
"من دون صواريخها، إيران مهزومة"، يقول باكزاد. وهذا الخط الأحمر الأخير هو على الأرجح ما جعل الوثيقة الأمريكية ذات الخمسة عشر بنداً تصطدم بالرفض الفوري.
لم تعترف باكستان، رسميًا بدورها، لكن رئيس وزرائها شهباز شريف كتب على منصة إكس أن بلاده "مستعدة أن تحتضن مفاوضات بنّاءة"، جملة تُثبت الحضور دون أن تُحرج أي طرف. (ارم نيوز)