قال موقع "responsible state craft"، انه لم تكن نتائج الانتخابات الوطنية في سلوفينيا وحدها الحدث الأبرز، رغم تقدم حزب "حركة الحرية" الليبرالي بزعامة رئيس الوزراء روبرت غولوب بفارق ضئيل على الحزب الديمقراطي السلوفيني اليميني بقيادة يانيز يانشا. فالمشهد السياسي في البلاد اتجه سريعاً نحو قضية أكثر حساسية تتعلق بشبهات تدخل خارجي في المسار الديمقراطي، وسط اتهامات باستغلال أدوات استخبارات خاصة للتأثير في الانتخابات.
وبحسب ما أوردته تقارير صحافية وتحقيقات استقصائية، زار دان زوريلا، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة "بلاك كيوب"
الإسرائيلية، واللواء جيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي
الإسرائيلي والمستشار الحالي للشركة، سلوفينيا مرات عدة خلال الأشهر الأخيرة. ورغم تأكيد الشركة أنها جهة خاصة لا ترتبط بالحكومة الإسرائيلية، فإن طبيعة الشخصيات المرتبطة بها وخلفياتها الأمنية أثارت كثيراً من الشكوك.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن مهمة "بلاك كيوب" تمثلت في دعم الحزب الديمقراطي السلوفيني ومحاولة تقوية موقع يانيز يانشا في السباق الانتخابي. كما تتهمها سلوفينيا بالوقوف وراء عمليات تنصت غير قانونية وتسريب محادثات تناولت شبهات فساد وسوء استخدام أموال الدولة، في ما بدا محاولة لإضعاف الحكومة قبل الانتخابات.
ويزيد من ثقل هذه الشبهات إقرار يانشا نفسه بأنه التقى عناصر من "بلاك كيوب"، رغم قوله إنه لا يتذكر متى جرت تلك اللقاءات. لكن مجرد حصول هذه الاجتماعات فتح باب التساؤل حول أسباب تواصل مرشح معارض في سلوفينيا مع شخصيات مرتبطة بمجال الاستخبارات
في إسرائيل.
وترتبط هذه القضية، حسب الموقع، بمواقف سلوفينيا الخارجية خلال الفترة الماضية. فمنذ بدء الحرب على غزة، ظهرت حكومة غولوب بين أكثر الحكومات الأوروبية انتقاداً لإسرائيل، ودعت إلى وقف إطلاق النار، وأيدت ملاحقة قادة إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، كما اعترفت بدولة فلسطين، وحظرت استيراد بضائع من الأراضي
الفلسطينية المحتلة، ومنعت زيارة وزيرين إسرائيليين متطرفين، ثم أصبحت أول دولة في
الاتحاد الأوروبي تمنع بنيامين نتنياهو من دخول أراضيها وتحظر تجارة السلاح مع
إسرائيل.
ومع اندلاع الحرب على
إيران في 28 شباط، أدانت وزيرة الخارجية السلوفينية تانيا فايون الضربات الأميركية والإسرائيلية ووصفتها بأنها انتهاك غير مقبول للقانون الدولي، مع إدانتها أيضاً الهجمات
الإيرانية المضادة في المنطقة.
في المقابل، عُرف يانيز يانشا بعلاقاته الوثيقة مع كل من
دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ورفضه لاعتراف بلاده بفلسطين، فضلاً عن دعمه الواضح لتغيير النظام في إيران وارتباطه بمنظمة "مجاهدي خلق"، ما جعله أقرب سياسياً إلى الخط الإسرائيلي والأميركي في المنطقة.
وعلى هذا الأساس، رأت وكالة الاستخبارات والأمن السلوفينية أن أنشطة "بلاك كيوب" تمثل تدخلاً أجنبياً مباشراً. ودفع ذلك رئيس الوزراء غولوب إلى مخاطبة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، مطالباً بفتح تحقيق، ومحذراً من أن ما جرى يشكل تهديداً هجيناً واضحاً ضد الاتحاد
الأوروبي ودوله الأعضاء، واختباراً مباشراً لفعالية "درع الديمقراطية الأوروبية" الذي أُنشئ لحماية دول الاتحاد من التدخلات الخارجية.
لكن رد بروكسل، وفق النص، بقي باهتاً. فالمفوضية الأوروبية، التي تُتهم عادة بالإسراع إلى تحميل
روسيا مسؤولية أي تدخل سياسي، لم تبدِ حتى الآن الحماسة نفسها في التعامل مع المزاعم المتعلقة بتدخل إسرائيلي، ما فتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير.
وبهذا المعنى، لا تبدو القضية شأناً سلوفينياً داخلياً فقط، بل اختباراً أوسع لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية أعضائه من التدخلات الخارجية، مهما كان مصدرها، وضمان حق الدول الأعضاء في رسم سياساتها الخارجية من دون التعرض لضغوط أو عمليات سرية. (
responsible state craft)