ذكر موقع "إرم نيوز" أن مجلة "فورين بوليسي" أفادت أن أحد أكثر السيناريوهات حساسية المطروحة داخل دوائر القرار في
واشنطن يتمثل في تنفيذ عملية عسكرية مباشرة لاستخراج مخزون
إيران من اليورانيوم العالي التخصيب، في خطوة تهدف إلى إغلاق المسار
النووي نهائيًا، لكنها في الوقت ذاته قد تفتح الباب أمام تصعيد غير مسبوق.
وبينما يواصل الرئيس الأميركي
دونالد ترامب التمسك بهدف منع طهران من امتلاك سلاح نووي، تكشف النقاشات الجارية أن تحقيق هذا الهدف لم يعد مرتبطًا فقط بالضربات الجوية أو الردع عن بعد، بل بات يتطلب، في أحد سيناريوهاته القصوى، تدخلاً بريًا معقدًا داخل الأراضي
الإيرانية.
وأفادت المجلة أن التباين في تصريحات
ترامب خلال الأيام الأخيرة لا يعكس تراجعًا في الهدف، بل يعكس غياب مسار واضح لتحقيقه. فمرة يلوّح بإجبار
إيران على تسليم مخزونها، ومرة أخرى يقلّل من أهميته، معتبرًا أنه "مدفون بعمق" ولا يشكل أولوية فورية.
لكن هذا التذبذب، وفق قراءة تحليلية، يرتبط بحقيقة أكثر تعقيدًا؛ أن التعامل مع هذا المخزون ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل معضلة عملياتية شديدة التعقيد، قد تتطلب موارد وزمنًا يتجاوزان أي عملية عسكرية تقليدية.
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران كانت تمتلك قبل الضربات الأخيرة نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي كمية تضعها على مسافة قصيرة تقنيًا من إنتاج مواد كافية لعدة رؤوس نووية إذا تم رفع التخصيب إلى 90%.
وبحسب ما أوردته فورين بوليسي، فإن الجزء الأكبر من هذا المخزون لم يُدمّر، بل يُعتقد أنه لا يزال مدفونًا داخل أنفاق تحت الأرض في منشأة أصفهان، مع مؤشرات على توزيع أجزاء منه في مواقع أخرى مثل نطنز.
هذا التوزيع الجغرافي، إلى جانب طبيعة التخزين تحت الأرض، يحوّل أي عملية استهداف إلى مهمة بحث واستخراج، لا مجرد ضربة عسكرية.
وتنقل المجلة عن خبراء عسكريين أن أي محاولة لانتزاع هذا المخزون لن تكون عملية سريعة، بل أقرب إلى مهمة ممتدة زمنيًا داخل مسرح عمليات نشط. فالتحدي لا يبدأ عند الوصول إلى المواقع، بل بعده، حيث تتحول العملية إلى اختبار مركّب يجمع بين القتال والهندسة النووية.
فالمواد موجودة داخل أنفاق مغلقة ومدفونة تحت أنقاض منشآت متضررة جزئيًا، ما يعيق الوصول المباشر إليها، إضافة إلى طبيعتها المشعة التي تتطلب إجراءات دقيقة في التعامل والنقل. ويجري ذلك ضمن بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة، حيث تتحول كل دقيقة تأخير إلى مخاطرة مضاعفة تحت تهديد نيران مباشرة أو ضربات بعيدة المدى.
كما يتمثل أحد أكثر الجوانب حساسية في البعد الهندسي للعملية، إذ لا يمكن التعامل مع المخزون بوصفه هدفًا قابلاً للانتزاع السريع. فالوصول إليه يتطلب إزالة أنقاض ثقيلة لفتح مداخل الأنفاق، واستخدام معدات حفر ونقل ضخمة، قبل إخضاع المواد لفحوص دقيقة للتأكد من طبيعتها وسلامتها، ثم تعبئتها داخل حاويات مخصصة لنقل المواد المشعة.
ولا تنفصل هذه التعقيدات عن المخاطر الأمنية، إذ إن تنفيذ هذه المراحل يتطلب وقتًا ومساحة عمل في بيئة غير مستقرة، ما يجعل الجانب الهندسي عاملًا حاسمًا في نجاح المهمة أو تعثرها.
ولا تقف التحديات عند الجانب الفني، بل تمتد إلى نمط الانتشار العسكري المطلوب. فالتقديرات تشير إلى أن العملية، إن نُفذت، ستتطلب حشدًا مركبًا يجمع بين قوات العمليات الخاصة ووحدات هندسية متخصصة، إلى جانب غطاء جوي مكثف وأنظمة دفاع صاروخي ومسيّرات لحماية القوات والمنشآت.
كما تبرز الحاجة إلى تأمين قواعد جوية قريبة أو إنشاء مدارج مؤقتة لنقل المعدات الثقيلة والمواد الحساسة، ما يعكس حجم التشابك اللوجستي الذي يتجاوز إطار العمليات الخاصة التقليدية.
في المقابل، تحذر فورين بوليسي من أن هذه العملية ستجري في بيئة ديناميكية لا يمكن تثبيتها، إذ إن إيران تدرك طبيعة الأهداف المحتملة، ويمكنها التحرك لإعادة توزيع المخزون أو تعزيز حمايته، فضلًا عن قدرتها على شن هجمات مضادة لإرباك سير العملية.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح عنصر المفاجأة، الذي يشكّل ركيزة أساسية في نجاح العمليات الخاصة، محدود الفاعلية، خاصة مع قدرة الحرس الثوري
الإيراني على الدفع بتشكيلات قتالية لمحاولة استنزاف أي وجود عسكري داخل البلاد.
ورغم أن بعض الخبراء والمسؤولين
الأميركيين السابقين يستحضرون عملية “سافاير” التي نفذتها
الولايات المتحدة عام 1994 في كازاخستان كنموذج ناجح لنقل مواد نووية حساسة، فإن المقارنة تبدو محدودة القيمة في الحالة الإيرانية.
ففي تلك العملية، عملت واشنطن بالتنسيق الكامل مع الحكومة الكازاخية لنقل مخزون من اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج البلاد، ضمن بيئة آمنة ومستقرة، ودون أي تهديد عسكري، ما أتاح تنفيذ المهمة بسلاسة نسبية وتحت سيطرة كاملة.
وينقسم صناع القرار حول جدوى تنفيذ عملية عسكرية مباشرة لانتزاع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. فهناك من يرى أن ترك المخزون دون معالجة يعني إبقاء باب نووي مفتوح يمكن لإيران العودة إليه لاحقًا، في حين يعتبر آخرون أن الكلفة البشرية والعسكرية المرتفعة، إلى جانب المخاطر الميدانية، قد تفوق العائد الاستراتيجي المتوقع، خاصة إذا كانت قدرة طهران الفورية على استخدام هذا المخزون محدودة.
في موازاة ذلك، يبقى المسار الدبلوماسي قائمًا، رغم تعثره، مع استمرار الضغوط الأميركية لدفع إيران نحو تسليم مخزونها ضمن تسوية محتملة. غير أن رفض طهران لهذه الطروحات يبقي الخيارات العسكرية مطروحة، ولو كخيار أخير.
وفي المحصلة، لا تبدو عملية انتزاع اليورانيوم مجرد خيار عسكري، بل اختبارًا حقيقيًا لحدود القوة الأميركية في بيئة شديدة التعقيد. فالنجاح قد يغلق أحد أخطر الملفات الاستراتيجية في المنطقة، لكن التعثر قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع ويضع واشنطن أمام انخراط أعمق في صراع طويل الأمد.
وبين تحقيق الردع وتفادي الانزلاق، تبقى الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة: إما احتواء الخطر تحت الأرض، أو المخاطرة بإخراجه إلى سطح مواجهة مفتوحة.