دخلت إيران الحرب الأخيرة وهي مثقلة ببنية داخلية تقوم على توزيع طويل ومعقّد لمراكز القوة، تعزز منذ سنوات مع صعود دور الحرس الثوري في الاقتصاد والأمن والملفات الإقليمية، وتوسّع أكثر تحت ضغط العقوبات والاحتجاجات والتوترات المحيطة.
وفي خضم التصعيد، ومع تداول تقارير عن استهدافات أميركية–إسرائيلية وظهور معلومات غير مؤكدة حول الوضع الصحي للمرشد علي خامنئي، برزت تساؤلات حول موازين القيادة داخل النظام، خصوصًا مع الحديث عن دور متقدم لمجتبى خامنئي واحتمالات ترتيبه في معادلة الخلافة، بما جعل مسألة "صاحب القرار الفعلي" جزءًا مباشرًا من إدارة الحرب والتفاوض، وصولًا إلى ملفات حساسة مثل مضيق هرمز ولبنان وحزب الله وبقية الأذرع الإقليمية.
ورغم هذا الغياب النسبي لرأس السلطة عن المشهد العلني، واصلت طهران إرسال إشارات سياسية وعسكرية متتالية، ما عكس أن مركز الثقل الفعلي يتحرك داخل شبكة أمنية–عسكرية متشابكة، سبق أن تشكّلت قبل الحرب، ووجدت فيها فرصة لإبراز نفوذها ودورها في صناعة القرار.
غياب المرشد يكشف مركز القرار العملي
أظهرت الأسابيع الأولى من الحرب مؤشّرات لافتة على آلية عمل السلطة داخل إيران، حيث أشارت تقارير إلى أن مجتبى خامنئي تولّى موقع المرشد بعد مقتل والده، قبل أن يغيب لاحقًا عن الواجهة العامة نتيجة إصابات وُصفت بالخطيرة والمشوّهة وفق ما نقلته "رويترز". ومع ذلك، استمرت مؤسسات الدولة في إدارة مسارات الردع والتفاوض وإصدار المواقف الرسمية، بما عكس وجود مركز قرار عملي يتجاوز الحضور الشخصي للمرشد.
في هذا الإطار، تولّت منظومة الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي ومكتب المرشد والقنوات العسكرية والدبلوماسية إدارة الأزمة ضمن مسار متكامل، فيما احتفظ اسم المرشد بدور رمزي أساسي يهدف إلى تثبيت الانضباط داخل النخبة وإبراز صورة التماسك أمام الخصوم.
وأظهر هذا المسار أن كل قرار صادر عن طهران يعكس بالدرجة الأولى توازنات شبكة الحكم الأمنية العميقة أكثر من ارتباطه بشخصية المرشد الغائب عن المشهد العلني، خصوصًا بعد الضربات الكبرى في بداية الحرب.
وقد برز ذلك في مقاربة النظام لملفات حساسة مثل التصعيد في مضيق هرمز، والتفاعلات المرتبطة بالمفاوضات التي يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تحريكها، إلى جانب ملف وقف إطلاق النار في لبنان، حيث نقلت "رويترز" اليوم الجمعة أن ترامب يطمح إلى التوصل إلى أفضل اتفاق مع إيران خلال فترة التهدئة بين إسرائيل ولبنان، في وقت تؤكد فيه طهران عدم وجود أي خلل في البنية القيادية رغم استمرار الضغوط العسكرية والبحرية عليها.
المرشد كغطاء للقرار الأمني
احتفظ موقع المرشد داخل الجمهورية الإسلامية بدوره المركزي، باعتباره الغطاء الشرعي الذي يمنح النظام بعده الديني وينظّم العلاقة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والتيار المحافظ والقاعدة العقائدية.
لكن الحرب أعادت ترتيب الوظائف المرتبطة بهذا الموقع بصورة أكثر حدّة، إذ احتاج الحرس الثوري إلى مرجعية عليا تضفي شرعية دستورية وعقائدية على قراراته، بينما احتاجت الدائرة المرتبطة بالمرشد إلى جهاز تنفيذي قادر على تحويل هذا الموقع إلى سياسات فعلية على الأرض. ونتيجة ذلك، بدا الموقع الأعلى أقرب إلى ختم شرعي يمر عبر شبكة حكم تقودها المؤسسة الأكثر قدرة على التحكم بمسارات القرار.
وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت في آذار الماضي بأن الحرس الثوري دفع باتجاه حشد تأييد رجال دين متحفظين لصالح مجتبى خامنئي بعد طرح اسمه في سياق الخلافة، مشيرة إلى أن غيابه المتكرر عن الواجهة منذ صعوده ساهم في توسيع هامش دور الحرس في رسم توجهات أكثر تشددًا.
هذا التطور يضع مسألة الخلافة ضمن مسار ذي طابع أمني واضح، إذ إن مجتبى خامنئي صعد من داخل الدائرة القريبة من مكتب والده، مستندًا إلى علاقات ممتدة مع الحرس، قبل أن يأتي غيابه أو تراجع ظهوره ليمنح المؤسسة العسكرية مساحة إضافية في تحويل القرب من مركز القيادة إلى نفوذ تنفيذي داخل الدولة.
وفي موازاة ذلك، واصل الحرس الثوري تعزيز موقعه كفاعل مركزي في الحكم، بعدما دخل الحرب وهو يمتلك أدوات تتجاوز البعد العسكري، تشمل النفوذ الاقتصادي، وإدارة شبكات إقليمية، والهيمنة على جزء واسع من منظومات الصواريخ والعمليات البحرية، إلى جانب حضوره في ملفات الأمن الداخلي والخارجي.
هذا التراكم سمح له بالتمدد داخل الفراغ الذي نشأ مع تراجع الحضور المباشر للقيادة، خصوصًا أن الحكومة المدنية والرئاسة تعملان ضمن سقف يحدده الأمن القومي الذي يشرف عليه الحرس وشبكاته داخل مؤسسات الدولة.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير لقناة "يورو نيوز" الأربعاء الماضي إلى تشديد الحرس قبضته على مفاصل السلطة وتراجع هامش القيادة المدنية، متحدثًا عن أدوار لشخصيات مثل أحمد وحيدي في صناعة القرار العسكري والسياسي إلى جانب مجتبى خامنئي، استنادًا إلى تقديرات "معهد دراسات الحرب" وتقييمات استخباراتية أميركية. وتُظهر هذه المعطيات أن الحرس لم يظهر كقوة طارئة بعد الضربات، بل كان جزءًا أصيلًا من بنية الحكم، قبل أن تستفيد من ظروف الحرب لتعزيز موقعها في إدارة القرار عند اهتزاز مركز القيادة.
الحرب تكشف بنية الحكم الخفية
تعمل سلطة الظل في الحالة
الإيرانية من داخل المؤسسات الرسمية، فهي تتحرك عبر الحرس ومجلس الأمن القومي ومكتب المرشد، وتحتاج إلى الرئاسة والبرلمان كواجهة إدارة يومية، بينما تحتفظ لنفسها بحق القرار في الحرب والخارج والاحتجاج والملف النووي والعلاقة مع
واشنطن.
لذلك بدا استمرار القرار بعد إصابة مجتبى خامنئي كإشارة إلى بنية حكم نضجت داخل النظام قبل الحرب، ثم كشفت الحرب قدرتها على العمل تحت ضغط عسكري مباشر.
ويظهر معنى هذا التحول في طريقة تعامل طهران مع الاتهامات الأمريكية حول الانقسام الداخلي، فقد نقلت "رويترز" أن القيادة الإيرانية تحت مجتبى خامنئي رفضت مزاعم الاضطراب الداخلي، في وقت تستمر فيه محادثات التفاوض المتعثرة والضغوط حول مضيق هرمز وملف "
حزب الله"، وهذا السلوك يوضح أن النظام يدرك خطورة الصورة التي تظهره كسلطة بلا رأس حاضر، فيستجيب عبر خطاب وحدة القيادة، بينما تدير الأجهزة وقائع الردع والتفاوض على الأرض. (آرم نيوز)