كتب نبيل بو منصف في" النهار": الأيام الطالعة ستضع كلاً من إدارة ترامب ولبنان الحكم والحكومة أمام اختبارين حاسمين يتوقف عليهما تحديد مسار انتشال لبنان من براثن إقليمية عملت طويلاً على إحكام الطوق الخانق عليه.
لقد صفق اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة لمنع إدارة ترامب ايران، من ربط مسار مفاوضاتها مع
الولايات المتحدة الأميركية بمسار الاستعدادات للمفاوضات اللبنانية-
الإسرائيلية.
هنا ستتبلور تجربة الاختبار الأميركي الحالي ومدى صلابة صموده وقدرته على دعم السلطة
اللبنانية التي تمضي نحو خطوات تاريخية لعقد اتفاق مستدام مع
إسرائيل، لان تركها وحدها، تقلع شوك إسرائيل و"
حزب الله" لن يكون سوى وصفة انتحارية.
في المقابل سيكون الحكم والحكومة والقوى السياسية الداخلية، للمرة الأولى، منذ اتفاق الطائف، أمام الاختبار النهائي بين فرض الدولة بقوة الشرعية وبقوة الأكثرية الرافضة نمط حروب إسناد الآخرين واستباحة لبنان من أجل مصالح النظام
الإيراني وحرسه الثوري.
معروف أن
إيران، أو بقايا نظامها، أو من يديرها الآن من المدن الصاروخية تحت الأرض، تستقتل لإبقاء الربط بين مسار لبنان ومسارها مع أميركا. لذا، يهولون بالفتنة والحرب الاهلية وإيقاظ شياطينها. فلننتظر ماذا تهيء "دولتنا" لهذا التاريخ المفصلي؟
وكتب إسكندر خشاشو في" النهار": في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، يتقدم اتفاق الطائف مجدداً إلى واجهة النقاش. جولة الموفد السعودي الأمير زيد بن فرحان على القيادات اللبنانية لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل حملت في طياتها محاولة واضحة لإعادة تثبيت "الطائف" كإطار وحيد للحل. المقاربة
السعودية، المدعومة مصرياً، تنطلق من مسلمة أساسية: لا إمكانية لفتح باب تعديل النظام الآن، بل الأولوية لاستكمال تطبيق ما لم يُطبق. من هنا، يبرز الدفع نحو تنفيذ البنود المؤجلة، من إلغاء الطائفية السياسية إلى إقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وصولاً إلى إنشاء مجلس شيوخ. في ظاهرها، تبدو هذه الخطوات إصلاحية بحتة، لكنها في جوهرها محاولة لإعادة إنتاج توازن داخلي جديد يخرج الصراع من الشارع والسلاح إلى المؤسسات. لا يختزل السلاح بمسألة تمثيل داخلي أو توازنات نيابية، بل يرتبط بوظيفة إقليمية وبمعادلة ردع مع إسرائيل وبعلاقة عضوية مع إيران وحرسها الثوري. وعليه، فإن أي ضمانة داخلية، مهما بلغت، تبقى عاجزة عن تفكيك هذا الارتباط من دون تحول أوسع في المشهد الإقليمي.
فالمناصفة التي كرسها اتفاق الطائف تقوم على توازن بين المسلمين والمسيحيين، لكن في نظام انتخابي خارج القيد الطائفي، لا تكمن المشكلة في عدد المقاعد بقدر ما تكمن في كيفية اختيار شاغليها.
من يحدد اللوائح؟ ومن يرسم التحالفات العابرة للمناطق؟ هنا، يتحول الخوف من خسارة "التأثير" إلى هاجس يتقدم على أي نقاش تقني في القانون الانتخابي.
وسط هذا التعقيد، يبرز التناقض الأوضح: هل يُطبق "الطائف" أولاً تمهيداً لمعالجة السلاح، أم أن تسليم السلاح هو المدخل الإلزامي لأي تطبيق فعلي للاتفاق؟ المدرسة العربية تميل إلى الخيار الأول، معتبرة أن الإصلاحات السياسية تخلق بيئة ثقة داخلية. في المقابل، ترى قوى لبنانية أن هذا الطرح يشكل التفافاً على جوهر الاتفاق الذي نص صراحة على حل الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة كمدخل تأسيسي، لا كنتيجة لاحقة.
يبدو أن إعادة إحياء اتفاق الطائف اليوم لا تعني بالضرورة اقتراب تطبيقه، بقدر ما تعكس محاولة إقليمية لملء الفراغ السياسي اللبناني ومنع انزلاقه إلى خيارات أكثر خطورة. أما التنفيذ الفعلي، فيبقى رهناً بشرطين لم ينضجا بعد: قرار إقليمي بفصل لبنان عن صراعات المحاور، واستعداد داخلي لتقديم تنازلات متبادلة في آن واحد. إلى ذلك الحين، سيبقى "الطائف" عنواناً جاهزاً لكل تسوية... ومشروعاً مؤجلاً لكل استحقاق.