كتب موقع "
سكاي نيوز عربية": راكم النظام
الإيراني خبرة طويلة في الالتفاف حول العقوبات الدولية، لكن التطورات الأخيرة وتشديد
الولايات المتحدة عقوباتها تعكس انتقال الخزانة الأميركية إلى مرحلة تضييق الخناق على شبكات التحايل على العقوبات، وفي الوقت نفسه ضبط سلوك الشركاء التجاريين.
وأشار الباحث في الاقتصاد السياسي ناصر قلاوون، إلى أن النظام الإيراني راكم خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات، لا سيما عبر ما يُعرف بـ"أسطول الشبح" وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، إلى جانب إنشاء كيانات واجهة في دول عدة، بما فيها بريطانيا.
ولفت إلى أن هذه البنية الموازية لم تكن وليدة المرحلة الراهنة، بل تشكلت عبر سنوات، ما أتاح لطهران الحفاظ على قنوات تصدير غير رسمية.
غير أن التطورات الأخيرة، وفق قلاوون، تعكس انتقال الخزانة الأميركية إلى مرحلة أكثر تدقيقا، عبر جرد شامل للكيانات والواجهات المستخدمة، وهو ما يترجم عملياً بتضييق الخناق على هذه الشبكات.
ويستدل على ذلك باندلاع احتجاجات اجتماعية في نهاية كانون الأول، مرتبطة مباشرة بالضغوط الاقتصادية، ما يعكس تأثير العقوبات على الداخل الإيراني.
صادرات نفطية تحت المجهر ورسائل إلى الصين
في قراءة قلاوون، تشكل حقيقة أن نحو 90 بالمئة من صادرات النفط
الإيرانية تتجه إلى الصين عبر قنوات غير مباشرة نقطة محورية في فهم الاستراتيجية الأميركية.
فالتشدد الأخير لا يستهدف طهران فقط، بل يحمل رسالة واضحة إلى بكين، خاصة في ظل دور المصافي الصينية الصغيرة في استقبال النفط الإيراني عبر آليات ملتوية.
ويرى أن هذه الرسالة تأتي في سياق سياسي أوسع، يتصل بتوقيت حساس قبيل القمم الثنائية، بما يعزز فرضية أن
واشنطن تستخدم أدواتها الاقتصادية لإعادة ضبط سلوك الشركاء التجاريين لإيران، وليس فقط معاقبة طهران ذاتها.
اقتصاد متعدد المستويات وتدفقات خارج الموازنة
يؤكد قلاوون أن الاقتصاد الإيراني ليس وحدة متجانسة، بل يتوزع على مستويات عدة، أبرزها تلك المرتبطة بالحرس الثوري، حيث تتجه تدفقات مالية كبيرة إلى شركاته، بعيدا عن القنوات الرسمية لوزارة المالية. هذا الواقع يخلق اقتصاداً موازياً يصعب ضبطه بالكامل عبر الأدوات التقليدية.
ويضيف أن العقوبات استهدفت في مراحل سابقة البنك المركزي، قبل أن تتوسع لتشمل الكيانات المشفرة وشركات الواجهة، مع تسجيل عمليات مالية بمئات ملايين الدولارات عبر قنوات يصعب تتبعها. إلا أن هذه المسارات، رغم مرونتها، لا تزال عرضة للاكتشاف التدريجي من قبل مكتب العقوبات في الخزانة الأميركية.
اختناقات التخزين ومخاطر إغلاق الحقول
من أبرز المؤشرات التي يتوقف عندها قلاوون مسألة امتلاء خزانات النفط، ما يضع
إيران أمام احتمال إغلاق حقول الإنتاج تدريجيا أو بشكل مفاجئ.
ويشير إلى أن هذا السيناريو يحمل مخاطر فنية كبيرة، إذ قد يؤدي إلى أضرار طويلة الأمد في الحقول، بعضها قد يتطلب سنوات لإصلاحه، وربما يصبح غير قابل للاستعادة.
ويضيف أن محدودية القدرة على التصدير، سواء بسبب الحصار الاقتصادي أو القيود اللوجستية، تعني أن جزءا ضئيلا فقط من النفط يمكن تصريفه بوسائل بديلة، مثل النقل البري إلى دول مجاورة، وغالبا بخصومات كبيرة، ما يضعف العائدات بشكل حاد.
قيود البنية التحتية وحدود التصدير
يلفت قلاوون إلى أن غياب شبكات أنابيب كافية يحد من قدرة
إيران على تصدير الغاز إلى آسيا الوسطى، ما يقلص فرص تحقيق إيرادات بديلة.
كما أن العقوبات المفروضة على المنتجات البتروكيماوية تضيق هامش المناورة، في ظل إمكانية رصد معظم الأنشطة عبر وسائل المراقبة الحديثة.
ويشير إلى أن التجارة مع دول آسيا الوسطى تظل محدودة وتركز على المواد الغذائية، ما يعكس ضعف القدرة على تنويع الصادرات. أما الأساليب السابقة، مثل نقل الشحنات عبر موانئ سورية أو تهريبها إلى
لبنان، فقد تراجعت فعاليتها في ظل تشديد الرقابة.
ندرة الدولار وتداعيات اجتماعية مباشرة
يبرز قلاوون أزمة حادة في توفر الدولار، نتيجة القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني، سواء عبر البنك المركزي أو شركات التحويل. هذه الندرة انعكست على الحياة اليومية، وصولاً إلى عدم القدرة على تمويل بعثات تعليمية إلى الخارج، ما يشير إلى اتساع تأثير الأزمة خارج الإطار الاقتصادي المباشر.
كما يشير إلى أن الضغوط الأميركية امتدت حتى إلى أقارب مسؤولين إيرانيين، في إطار محاولة سد الثغرات التي كانت تُستغل سابقاً، ما يعكس تحولاً نحو استهداف أكثر دقة وشمولاً.
نحو مزيد من التراجع النقدي
يخلص قلاوون إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني حالة انهيار "رسمي"، خاصة في حال إلغاء الاستثناءات، مثل تصدير الغاز إلى العراق.
ويضيف أن العلاقات التجارية مع دول مثل
روسيا تبقى محدودة ولا توفر متنفساً حقيقياً، في ظل غياب قدرة مباشرة على تصدير النفط والغاز إليها.
كما يشير إلى أن استمرار الضغط الأميركي على
الاتحاد الأوروبي والصين يهدف إلى تقليص ما تبقى من أدوات المناورة الإيرانية، في وقت تعاني فيه طهران من شح في الدولار، ما ينذر بمزيد من التراجع في قيمة العملة المحلية.