ذكر موقع "إرم نيوز" أنه بينما كانت أروقة "غرفة العمليات" في
البيت الأبيض تضجّ بوقع أقدام "الصقور" الجدد في الإدارة الأميركية، في مشهدٍ يوحي بأن
واشنطن استبدلت حقائب التفاوض بخرائط المواجهة، جاءت الإشارة من موسكو لتعلن صراحةً أن قواعد اللعبة القديمة قد تغيرت.
فلم يعد الحديث اليوم عن "تنسيق عسكري" تكتيكي بين
روسيا وإيران، بل انتقل المشهد إلى ما يمكن وصفه بـ"المرحلة الثالثة" من العلاقات، وهي مرحلة "الترابط".
وتشير التقارير المسرّبة من كواليس اللقاء الأخير بين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية
الإيراني عباس عراقجي، إلى أننا بصدد ولادة "محور أوراسي".
فالمعلومات تؤكد أن الطرفين تجاوزا مرحلة تبادل الدعم التقليدي نحو "الاندماج البنيوي"، وهو مصطلح يعني عملياً توحيد المنظومات اللوجستية، وربط شبكات المصارف بعيداً عن "سويفت"، وتدشين ممرات نقل عابرة للقارات (شمال-جنوب) تجعل من
العقوبات الغربية غير فعّالة.
وقال خبراء في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية والسياسية إن المؤشرات كافة تُظهر أن ما يحدث اليوم من تعاون روسي إيراني ليس تحالفاً اضطرارياً تمليه الظروف، بل هو صياغة لـ"عقيدة اشتباك" جديدة تهدف إلى إنهاء التفرد الأميركي بالقرار الدولي.
ويرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية اللواء المتقاعد محمد جرادات أن التحالف الروسي الإيراني يهدف إلى التخفيف من وطأة الحصار الأميركي على
إيران، وذلك من خلال التحول لاستخدام بحر قزوين بمساعدة لوجستية روسية.
وفي ما يتعلق بالدعم العسكري الروسي لإيران، قال اللواء جرادات، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن موسكو تسعى إلى الانتقال من مرحلة الاكتفاء بتزويد طهران بأسلحة دفاعية إلى مرحلة الاندماج البنيوي، مما يعني أن أي استهداف أميركي جديد لإيران قد يواجه بتكنولوجيا دفاعية روسية.
وفي المقابل، فإن إيران ستقوم بتقديم دعم إلى موسكو في حربها ضد
أوكرانيا في مجال الطائرات المسيّرة، الأمر الذي يجعل تكلفة أي مواجهة أميركية مع أحد الطرفين صعبة للغاية، كما يقول اللواء جرادات.
وأشار اللواء جرادات إلى أن روسيا تمتلك واحدة من أعقد منظومات الحرب الإلكترونية في العالم، مؤكداً أن تزويد إيران بهذه الخبرات يمنحها قدرة على التشويش أو حتى اعتراض طائرات الدرونز والوسائل التقنية الأميركية المتطورة.
وأوضح اللواء جرادات أن ما يجري حاليًا من تحالف روسي إيراني يؤكد أن كل طرف يرى في الآخر وسيلة للبقاء وكسر الهيمنة القطبية الواحدة، وقد يتوسع التحالف خلال الفترة القادمة بحيث نشهد ولادة محور جديد هدفه مواجهة النفوذ الأميركي في المنطقة.
من جانبه، قال المحلل السياسي نعمان أبو ردن إن التحالف اللوجستي الروسي الإيراني من شأنه ضمان تدفق جزء كبير من الطاقة إلى العملاقين الآسيويين (الصين والهند) بعيدًا عن نقاط الاختناق في مضيق هرمز أو قناة السويس، وهو ما يحد من تأثيرات سلاح العقوبات الأمريكية المفروضة على البلدين.
ووصف المحلل أبو ردن، في تصريح لـ"إرم نيوز"، الحديث عن عزم روسيا الاستمرار في تزويد إيران بأنظمة رادارية متقدمة، وتقنيات حرب إلكترونية، وصور أقمار صناعية لحظية، بالتحول الاستراتيجي الذي يمكن طهران من امتلاك "عيون روسية".
وقال أبو ردن إن الانتقال من التنسيق إلى الاندماج بين روسيا وإيران يعني أن موسكو قررت الاستثمار في دعم إيران، وذلك لتحويل طهران إلى حائط صد يمنع تمدد النفوذ الأطلسي شرقًا.
وخلص إلى أن المشهد الراهن في الصراع الأمريكي الإيراني يشي بأن العالم لم يعد يُدار عبر "إدارة الأزمات"، بل عبر "إدارة الصدامات الكبرى". وإذا كانت واشنطن قد استبدلت "الدبلوماسيين" بـ"الجنرالات"، فإن طهران قد استبدلت "الوعود الغربية" بـ"الأنابيب والناقلات الروسية".