كتب موقع "الجزيرة.نت": تتزايد مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران مع حديث متصاعد عن خيارات عسكرية أميركية، مقابل تمسك إيران بسياسة كسب الوقت لانتزاع تنازلات تفاوضية، وسط مخاوف من انعكاسات أي مواجهة جديدة على الطاقة والملاحة الدولية قبل الاستحقاقات العالمية المقبلة.
ويأتي هذا التصعيد بينما تلوّح إيران برد "أشد قوة" على أي تحرك عسكري أميركي، في وقت كشفت فيه وسائل إعلام إيرانية عن 5 شروط أميركية تتعلق بالملف النووي ووقف التصعيد الإقليمي، أبرزها تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ووقف معظم الأنشطة النووية الإيرانية.
ورأى النائب المساعد السابق لوزير الدفاع الأميركي سيرجيو دي لابينا أن إطالة أمد الأزمة تمنح إيران مساحة أوسع للمناورة التفاوضية، لكنه اعتبر أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تميل إلى المسارات الطويلة، وتسعى لحسم سريع يحدد إطارا زمنيا واضحا للمفاوضات.
وأضاف دي لابينا أن واشنطن ترى أن استمرار التوتر يضر بحركة الطاقة والتجارة العالمية، مشيرا إلى أن ترامب يتعامل بعقلية "رجل الأعمال" الذي يفضل القرارات السريعة والحاسمة، خصوصا في الملفات ذات الكلفة الاقتصادية المرتفعة.
من جهته، اعتبر الباحث المختص في القانون الدستوري والأنظمة السياسية الدكتور سليم زخّور أن إيران أصبحت تتحكم فعليا بعامل التوقيت، مستفيدة من ضغوط الاستحقاقات الأميركية المقبلة، بهدف دفع واشنطن إلى تقديم تنازلات إضافية للوصول إلى "اتفاق الحد الأدنى".
لكن زخّور حذر من أن الرهان الإيراني على عامل الوقت قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى خيارات "أكثر تطرفا"، خاصة إذا اقتنعت واشنطن بأن المفاوضات لم تعد قادرة على تحقيق اختراق سياسي يضمن مصالحها الأمنية والإستراتيجية.
وأوضح أن الحديث عن توجيه ضربات لمنشآت الطاقة والنفط الإيرانية يعود مجددا إلى الواجهة، باعتباره أحد السيناريوهات المطروحة لرفع كلفة الموقف الإيراني، وفرض معادلة جديدة تدفع طهران نحو تنازلات أوسع.
وأشار زخّور إلى أن الصراع الممتد بين واشنطن وطهران منذ أكثر من 4 عقود يجعل الحرب الحالية جزءا من مسار أوسع لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل بإعادة رسم موازين القوى الإقليمية وطبيعة النظام الإيراني نفسه.
وفي السياق ذاته، رأى مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية الدكتور محمد صالح صدقيان أن الرئيس الأميركي لا يضع كأس العالم في مقدمة حساباته السياسية، رغم إدراكه لتداعيات أي تصعيد على حركة الطيران والطاقة والتجارة العالمية.
ولفت صدقيان إلى أن الوساطة الباكستانية لا تزال تشكل القناة الأساسية بين الطرفين، لكنه أشار إلى أن تزايد انعدام الثقة وثبات المواقف يقلصان فرص التوصل إلى تفاهم سريع، رغم استمرار تبادل الرسائل غير المباشرة.
واعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمثل عاملا ضاغطا باتجاه التصعيد، إذ يسعى -بحسب تقديره- إلى منع أي تقارب أميركي إيراني، والدفع نحو استمرار المواجهة أملا في إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية عن تزايد التقديرات داخل تل أبيب بإمكانية لجوء واشنطن إلى عمل عسكري خلال أيام، وسط تنسيق مكثف بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم".
مضيق هرمز مجددا
وفي موازاة ذلك، تبرز أزمة مضيق هرمز بوصفها أحد أهم أوراق الضغط المتبادلة، بعد أن فرضت الولايات المتحدة حصارا على الموانئ الإيرانية منذ نيسان الماضي، وردّت طهران بفرض قيود على مرور السفن عبر المضيق الحيوي.
ويرى زخّور أن أي فشل للمفاوضات قد يدفع واشنطن إلى محاولة فرض "حرية الملاحة" بالقوة، بما يمنحها وقتا إضافيا لاستمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران، ويعيد التصعيد البحري إلى الواجهة.
أما فيما يتعلق بالملف النووي، فقد اعتبر زخّور أن تمسك واشنطن بمطلب تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يعكس قناعة أمريكية بأن هذه النقطة تمثل الخط الأحمر المرتبط بإمكانية تصنيع قنبلة نووية.
وأوضح أن الولايات المتحدة أبدت مرونة نسبية في بعض التفاصيل، بينها القبول باستمرار عمل منشأة نووية واحدة، لكن ملف اليورانيوم المخصب بقي ثابتا في الموقف الأميركي باعتباره "جوهر الأزمة".
في المقابل، أكد صدقيان أن طهران لا تزال تنظر إلى المفاوضات بوصفها مسارا لرفع العقوبات، لا مجرد تفاوض تقني حول البرنامج النووي، وهو ما يفسر التباين العميق في تعريف أهداف التفاوض بين الطرفين.
وأشار إلى أن الوساطة الباكستانية تحتاج إلى دعم صيني مباشر ومبادرات أكثر فاعلية لكسر الجمود الحالي، معتبرا أن الاكتفاء بنقل الرسائل بين واشنطن وطهران لن يكون كافيا لتحقيق اختراق سياسي حقيقي.
ومع اقتراب الاستحقاقات الدولية وتزايد المخاوف من انفجار إقليمي واسع، تبقى المفاوضات الخيار الأقل كلفة، لكن استمرار الجمود قد يجعل "الوقت" نفسه شرارة تدفع الجميع نحو مواجهة جديدة أكثر اتساعا وخطورة.