تعتبر تايوان أن أمن المحيطين الأوروبي ـ الأطلسي والهندي ـ الهادئ بات مترابطاً أكثر من أي وقت مضى، في ظل تصاعد التهديدات الصينية وتنامي التعاون بين بكين وموسكو، وما يفتحه ذلك من فرص لتعاون أوسع مع أوروبا في مجالات الصناعات الدفاعية، الأمن السيبراني، الطائرات المسيّرة، وحماية البنى التحتية الحيوية.
وبحسب مقابلة نشرها موقع Defence24 مع نائب
وزير الخارجية التايواني الدكتور فرانسوا تشيه تشونغ وو، فإن التحدي الأمني الأبرز بالنسبة إلى تايوان يتمثل في تمدد "السلطوية" في منطقة الهندي ـ الهادئ، عبر التوغلات البحرية والجوية الصينية، والمناورات العسكرية الواسعة، وتكتيكات "المنطقة الرمادية" التي تهدف، وفق تايبيه، إلى تغيير الوضع القائم في مضيق تايوان من طرف واحد.
وشدد المسؤول التايواني على أن أهمية المضيق لا تنحصر في تايوان وحدها، إذ يمر عبره نحو نصف الشحن التجاري العالمي، فيما تنتج تايوان حوالى 90 في المئة من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم. لذلك، فإن أي تصعيد عسكري أو حصار في المنطقة قد يهدد سلاسل الإمداد العالمية ويلحق أضراراً واسعة بالاقتصاد الدولي.
ويرى وو أن التهديدات لم تعد عسكرية تقليدية فقط، بل تشمل مجالات جديدة، مثل المسيّرات، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، ومحاولات التأثير على المجتمعات الديمقراطية من الداخل. ومن هنا، تعمل تايوان على تعزيز صمودها المدني والعسكري، مستفيدة من دروس الحرب في
أوكرانيا، خصوصاً في تطوير قدرات الحرب غير المتكافئة والطائرات المسيّرة.
وفي ما يتعلق بالمنافسة الأميركية ـ الصينية، أكد نائب وزير الخارجية التايواني أن
واشنطن تعاملت مع بكين خلال العام الماضي “من موقع قوة”، مع تأكيدات متكررة على دعم استقرار مضيق تايوان. وأشار إلى أن الدعم الأميركي لم يقتصر على التصريحات، بل شمل صفقات سلاح، وتشريعات داعمة لتايوان، وإدراج أمن المضيق ضمن وثائق الأمن القومي الأميركية بوصفه مرتبطاً باستقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل التكنولوجيا.
أما الدور الروسي، فيراه وو جزءاً من مشهد أوسع، إذ يعتبر أن تعمق التعاون بين
موسكو وبكين منذ اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية يشكل تحدياً غير مسبوق للنظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية. فالصين، وفق قراءته، تستفيد من الحرب في أوكرانيا لتعزيز تعاونها الاقتصادي والدبلوماسي مع
روسيا، واستخلاص دروس قد تستخدمها في أي سيناريو مستقبلي ضد تايوان.
وعلى مستوى التعاون مع أوروبا، دعا المسؤول التايواني إلى توسيع الشراكات في قطاع الدفاع، ولا سيما بناء سلاسل توريد موثوقة للطائرات المسيّرة بعيداً عن النفوذ الصيني. كما أشار إلى مبادرات تايوان في حماية الكابلات البحرية والبنى التحتية الحساسة، إضافة إلى استعدادها لتبادل الخبرات مع
الأوروبيين في مواجهة التضليل، والهجمات السيبرانية، والحرب الإدراكية والقانونية.
وحظيت بولندا بمساحة خاصة في المقابلة، إذ رأى وو أن وارسو، التي رفعت إنفاقها الدفاعي إلى مستويات قياسية داخل حلف شمال الأطلسي، يمكن أن تكون شريكاً مهماً لتايوان في مجالات أشباه الموصلات، الطائرات المسيّرة، الأمن السيبراني، وحماية شبكات الجيل الخامس والكابلات البحرية. واعتبر أن البلدين يقفان على خطوط تماس مختلفة في مواجهة التهديدات السلطوية، ما يفتح المجال لتعاون استراتيجي أوسع.
وفي ما يخص تطوير القدرات الدفاعية التايوانية، أشار وو إلى أن الرئيس لاي تشينغ تي أعلن في تشرين الثاني 2025 أكبر موازنة دفاعية خاصة في تاريخ البلاد، بقيمة تقارب 40 مليار دولار للفترة الممتدة بين 2026 و2033، مع هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 3 في المئة من الناتج المحلي في 2026، وصولاً إلى 5 في المئة بحلول 2030.
وتركز هذه الخطة على بناء قدرات دفاعية غير متكافئة، تشمل أنظمة دفاع جوي و”قبة” متعددة الطبقات، وصواريخ دقيقة بعيدة المدى، وأنظمة غير مأهولة، وقدرات مضادة للمسيّرات، ومنظومات قيادة وسيطرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وختم المسؤول التايواني بالتأكيد أن استراتيجية بلاده تقوم على مبدأ “السلام عبر القوة”، أي جعل كلفة أي عدوان على تايوان مرتفعة جداً، من دون الانزلاق إلى سباق تسلح تقليدي قد يزعزع الاستقرار. فتايوان، وفق قوله، لا تريد الاستفزاز ولا التنازل، بل الحفاظ على الوضع القائم وفتح باب الحوار مع بكين على أساس الندية والاحترام المتبادل.