لم يكن تسليم باكستان جهازي محاكاة لطائرات "JF-17" إلى بنغلاديش حدثاً عسكرياً كبيراً بحد ذاته، لكنه حمل دلالة سياسية واضحة: العلاقات بين البلدين تتجه نحو تعاون دفاعي أكثر تنظيماً بعد عقود من الحذر، حسب"Telegraph India".
وجاء تسليم أجهزة المحاكاة إلى القوات الجوية البنغلاديشية ضمن نقاشات أوسع حول المقاتلة "JF-17 Thunder"، التي طورتها باكستان بالتعاون مع الصين، وسط تكهنات بإمكان توجه دكا لاحقاً إلى شراء هذه الطائرة.
وبحسب تقارير إقليمية، وصف مسؤولون باكستانيون الخطوة بأنها جزء من "تعاون دفاعي أوسع" بين البلدين، فيما اعتُبرت الأجهزة وسيلة لتعريف العسكريين البنغلاديشيين بالبيئة التشغيلية للطائرة.
واكتسب هذا التطور أهمية إضافية بعد التحول السياسي في بنغلاديش عقب 5 آب 2024، مع سقوط حكومة رابطة عوامي وتشكيل إدارة مؤقتة أعادت فتح قنوات مع إسلام آباد، بعدما كانت العلاقات معها مقيدة بإرث حرب 1971 وانعدام الثقة التاريخي.
وفي عهد رئيسة الوزراء المخلوعة الشيخة حسينة، حافظت بنغلاديش على علاقات أمنية وثيقة مع الهند، لكنها اليوم تتبنى سياسة خارجية أكثر تنوعاً، من دون قطع علاقاتها مع نيودلهي.
وتسعى باكستان، وفق تقارير نقلت عن مسؤولين، إلى اتفاقية دفاعية رسمية مع بنغلاديش، تشمل تعاوناً في التدريب والصناعات الدفاعية، وإمكان بيع مقاتلات "JF-17"، ولا سيما نسخة "Block III" المطورة.
وتطرح إسلام آباد هذه الطائرة كخيار أقل كلفة من المقاتلات الغربية، إذ تتميز النسخة الأحدث برادار متطور وإلكترونيات طيران محسنة وقدرة على استخدام صواريخ بعيدة المدى.
لكن الدور الباكستاني في بنغلاديش قد لا ينفصل عن النفوذ الصيني، نظراً إلى أن برنامج "JF-17" نفسه يرتبط بعمق بالتكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد الصينية. كما أن الصين تبقى المورد العسكري الأبرز لبنغلاديش منذ سنوات، من الغواصات والفرقاطات إلى الدبابات وأنظمة الصواريخ.
لهذا، قد يكون الانفتاح الدفاعي على باكستان امتداداً غير مباشر للحضور الصيني، أكثر منه انتقالاً استراتيجياً كاملاً نحو إسلام آباد.
في الهند، يُنظر إلى هذا التقارب بقلق، خصوصاً أن بنغلاديش تقع على الجناح الشرقي للهند قرب ولاياتها الشمالية الشرقية الحساسة. وأي حضور عسكري أو استخباراتي باكستاني هناك يثير حساسية كبيرة في الحسابات الأمنية الهندية.
مع ذلك، لا تشير المعطيات إلى انقلاب بنغلاديشي على الهند، بل إلى رغبة في تنويع الشراكات وتوسيع هامش المناورة بعد سنوات من التقارب الكبير مع نيودلهي.
أما باكستان، فترى في دكا فرصة استراتيجية وتجارية مهمة. فنجاحها في بيع مقاتلات "JF-17" لبنغلاديش سيمنح صناعتها الدفاعية اختراقاً إقليمياً بارزاً، ويعزز مكانة الطائرة في أسواق الجنوب العالمي.
لكن تحويل هذا التقارب إلى شراكة استراتيجية دائمة لا يزال غير مضمون، في ظل الإرث التاريخي الثقيل بين البلدين، واعتماد بنغلاديش الواسع على الصين، وحاجتها في الوقت نفسه إلى عدم استفزاز الهند اقتصادياً وأمنياً.