لم تكن زيارة الرئيس الأميركيّ
دونالد ترامب إلى
الصين مجرّد محطّة دبلوماسيّة عابرة في مسار العلاقات بين
واشنطن وبكّين. فالزيارة جاءت في توقيت حسّاس، حيث تتقاطع ملفّات التجارة والتكنولوجيا والمعادن الحيويّة وسلاسل الإمداد مع حرب
إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة. لذلك، بدت بكّين هذه المرّة أكثر من عاصمةٍ تستقبل رئيسًا أميركيًّا، فظهرت وكأنّها مركزُ ثقلٍ جديد تُعاد عنده قراءة موازين المال والنفوذ في العالم.
خرج
ترامب من الصين بنتائج محدودة، وفق ما أوردت تقارير دوليّة، إذ لم تُحقّق القمّة اختراقات كبرى في ملفّات التجارة أو في دفع بكين إلى ممارسة ضغطٍ حاسم على
طهران. ومع ذلك، فإنّ أهمّيّة الزيارة لا تكمن فقط في الاتّفاقات المعلنة، بل في ما كشفته من تبدّل في طريقة إدارة القوى الكبرى لصراعاتها. فالولايات المتّحدة الأميركيّة لم تعد تتعامل مع الصين كمنافسٍ تجاريّ فقط، بل كطرفٍ قادر على التأثير في مسارات الطاقة والتمويل والعقوبات والحروب.
في خلفيّة هذا المشهد، تحضر الحرب الإيرانيّة كعاملٍ ضاغط. فواشنطن تريد من بكين أن تُساهم في ضبط السلوك الإيرانّي، خصوصًا أنّ الصين تُعدّ من أبرز المشترين للطاقة ومن أكثر الدول استفادة من أيّ مساراتٍ تجاريّة لا تمرّ بالكامل عبر النظام المالّي الغربّي. وقد أعلن ترامب أنّ الرئيس الصينيّ شي جينبينغ وافق على ضرورة فتح مضيق هرمز، لكنّ التقارير نفسها أشارت إلى عدم وجود مؤشّرات واضحة على أنّ الصين مستعدّة للتدخّل بالثقل الذي تريده واشنطن.
هنا تحديدًا يظهر البُعد الماليّ للأزمة. فالمسألة لم تعد محصورة في عبور ناقلات
النفط أو في كلفة الحرب، بل في العملة التي تُدفع بها فواتير الطاقة. فمنذ سبعينيّات القرن الماضي، شكّل البترودولار أحد أعمدة القوّة الأميركيّة، إذ إنّ تسعير النفط بالدولار الأميركيّ أوجد طلبًا عالميًّا دائمًا على العملة الأميركيّة، ومنح واشنطن قدرة واسعة على التمويل والاقتراض وفرض
العقوبات.
لكنّ الصين تعمل منذ سنوات على استراتيجيّة مختلفة، إذ لا تُعلن مواجهة مباشرة مع الدولار الأميركيّ، بل تبني ببطء بدائل عمليّة. فهي توسّع استخدام اليوان في المبادلات التجاريّة، وتطوّر شبكات دفع موازية، وتستفيد من علاقاتها مع دول خاضعة للعقوبات أو متضرّرة من الهيمنة الماليّة الأميركيّة.
إنّ زيارة ترامب إلى الصين أظهرت أنّ واشنطن تُدرك خطورة هذا التحوّل. فهي لا تخشى الصين فقط لأنّها تُصدِّر السلع أو تُنافس في التكنولوجيا، بل لأنّها تسعى تدريجيًّا إلى التأثير في قواعد النظام الماليّ نفسه. وقد عبّر وزير الخزانة الأميركيّ في اجتماعاتٍ ماليّة حديثة، عن قلقٍ واضح من الاختلالات الصينيّة ومن ضرورة تنسيق موقفٍ غربيّ أوسع تُجاه بكّين، بالتوازي مع الضغط على قنوات التمويل المرتبطة بإيران.
في المقابل، تبدو الصين مرتاحة إلى لعبة الوقت. فهي لا تحتاج إلى إسقاط العملة الخضراء دفعة واحدة، بل إلى فتح ثغراتٍ متراكمة في احتكارها. فكلّ صفقة طاقة تُسعَّر بعملة أُخرى، وكلّ مصرف مركزيّ يُنوّع احتياطاته، وكلّ دولة تبحث عن شبكة دفع بديلة، تمثّل خطوة صغيرة نحو نظامٍ ماليّ أقلّ أحاديّة.
لذلك، فإنّ قمّة بكّين لا تُقرأ فقط باعتبارها لقاءً بين ترامب وجينبينغ ، بل كإشارة إلى مرحلة جديدة: مرحلة تُحدَّد فيها الخطط الماليّة بقدر ما تُحدَّد فيها الاستراتيجيّات العسكريّة. أمّا حرب إيران، فهي ليست العنوان الأوّل، بل الاختبار العمليّ لهذه التحوّلات. وبين بكّين وواشنطن وهرمز، يبدو أنّ السؤال الحقيقيّ لم يعُد من يربح المعركة عسكريًّا، بل من يفرض العملة التي سيدفع بها العالم ثمن النفط.