ذكرت صحيفة "The Telegraph"
البريطانية أنه "بالنسبة للمرشد الأعلى
الإيراني مجتبى خامنئي، قد يكون النجاة من الحرب
الإيرانية الجزء الأسهل؛ أما الصراع الأصعب، وهو تولي القيادة الفعلية للجمهورية الإسلامية، فقد بدأ للتو. لم يسبق للحرس الثوري الإيراني وقادته أن بلغوا هذه القوة من قبل، لأنهم يشعرون أنهم أنقذوا البلاد من الانهيار وتغيير النظام. وأفادت مصادر مطلعة لصحيفة "التلغراف" بأن هؤلاء العسكريين هم من قد يجعلون خامنئي عرضةً للخطر الشديد إذا لم يحافظ على ولائهم. وفي المقابل، يعمل المرشد الأعلى، الذي لم يظهر علنًا منذ توليه السلطة، بهدوء على توطيد سلطته من خلال استبدال كبار المسؤولين في مكتب والده بحلفائه".
وبحسب الصحيفة: "مع صمت المدافع في
إيران مع اتفاق السلام المقرر توقيعه يوم الجمعة، تحدثت الصحيفة إلى العديد من المسؤولين الإيرانيين الحاليين والسابقين، والمحللين داخل البلاد وخارجها، والإيرانيين العاديين حول إيران الجديدة التي خرجت من الحرب، وقالوا إن خامنئي أصبح أكثر عرضة للخطر، ويواجه تحديات خطيرة عديدة لقيادته، منذ الإعلان عن الاتفاق. ويلوح في الأفق "تسونامي اقتصادي"، ويتخذ جنرالات الحرس الثوري قرارات دون استشارة الحكومة المدنية المنتخبة، وتبرز منافسات حادة حول مشاريع بمليارات الدولارات تهدف إلى إعادة إعمار البلاد. وقال علي واعظ، مدير ملف إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن البيئة الأمنية التي ورثها المرشد الأعلى من الحرب "لا تشبه أي شيء شهده أسلافه"، مضيفاً أن النظام "خضع لعسكرة وتأمين مكثفين على أعلى المستويات"، مضيفاً أنه يتوقع أن يترك ذلك "إرثاً دائماً". وأوضح أن الحرس الثوري الإيراني "أصبح أقوى بكثير مما كان عليه قبل هذا الصراع مباشرة"، حين كان خاضعاً إلى حد كبير للمرشد الأعلى".
وتابعت الصحيفة: "نظرياً، يملك خامنئي الكلمة الفصل: فالدستور يجعله القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يصبح أي قرار مهم ملزماً إلا بعد تصديقه عليه. لكن السلطة النظرية لا قيمة لها إن لم يُصغِ إليها من يملكون السلاح، ولا أحد يعلم حتى الآن إن كانوا سيفعلون. وقال مسؤول إيراني: "يمكنك أن تشعر بالتغيير في ديناميكية السلطة. في السابق، لا بد من وجود مناقشات مع أشخاص ومراكز مختلفة، ولكن الآن هناك مناقشات أقل، عندما يقول جنرال شيئًا ما، يصبح ذلك هو الأمر". لم يُختبر خامنئي بعد في كيفية حكمه أو مدى سلطته، إذ وصفه مسؤول آخر بأنه ثمرة مغلقة لا يُمكن الحكم عليها إلا بعد فتحها. لكن السلطة في إيران لطالما كانت تُدار عبر هيكل أوسع من مجرد حاكم واحد، ولكي يحكم فعلياً، عليه تفكيك الشبكات التي بناها والده، وقد بدأ بالفعل، بحسب ما أفادت به الصحيفة. وأحد الرجال المتوقع أن يلعب دوراً رئيسياً في مساعدته هو حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي ساعده في بناء إمبراطوريته الخفية خلال حياة والده".
خطر جوهري
وأضافت الصحيفة: "يُعدّ البيت، مكتب المرشد الأعلى، مركز الثقل، إذ يوظف آلاف الأشخاص في كل أنحاء إيران؛ ومن يسيطر على هذا الجهاز يسيطر على الجهاز العصبي الإيراني. سيحتاج خامنئي إلى استغلال هذه الفرصة من خلال تشكيل تحالفات جديدة واستبدال الموالين لوالده. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي الحرس الثوري الإيراني الذي انفصل لاحقاً عن الجمهورية الإسلامية، إنه يتوقع أن يحذو ابنه حذوه، بدءاً من الجيش وأجهزة الاستخبارات. وأضاف: "لا وجود للعاطفة في ذلك العالم. قد نشهد عمليات تطهير، بل وحتى اعتقالات". ,من بين الخطوات المبكرة، احتمال السعي لاستبدال غلام حسين محسني إيجي، رئيس السلطة القضائية. وصف سازغارا ذلك بأنه "خطوة كبيرة"، لأن إيجي، على عكس بعض الشخصيات التي أزاحها خامنئي، يمتلك شبكات علاقات راسخة وقوية. وحتى الموالي مثل أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الذي يُنظر إليه على أنه مقرب من الزعيم الجديد، يمكن استبداله في نهاية المطاف بأحد رجال خامنئي، على الرغم من أقدميته. وبحسب مصادر في طهران، قام خامنئي بالفعل بتهميش شخصيات مثل عزيز جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني من جيل الحرب الإيرانية
العراقية؛ وهنا يكمن الخطر الجوهري لمشروع المرشد الأعلى".
وبحسب الصحيفة: "نادراً ما يكون الرجال الذين يجب عليه إزاحتهم مسؤولين منعزلين؛ فكل واحد منهم يمثل حلقة في شبكة كثيفة من المحسوبية التي تراكمت على مدى عقود؛ إن إقالة شخصية كهذه لا تمحو نفوذها بقدر ما تطلقه. كما وإنّ المُقالين لا يختفون ببساطة، بل يُعيدون تنظيم صفوفهم، وغالبًا ما يكون ذلك حول المؤسسة الدينية، مركز القوة الوحيد الذي لا يستطيع حتى المرشد الأعلى السيطرة عليه بالكامل، والملجأ الطبيعي للمُتضررين من الداخل الساعين إلى بناء ثقل موازن للبيت. وفي الواقع، يُقدم خامنئي على كل هذا من موقع أضعف بكثير مما كان عليه والده، فهو يحاول ترويض خصومه المتجذرين في الوقت الذي جعلت فيه الحرب الكثير منهم أكثر قوةً وظلماً من ذي قبل. وفي الحقيقة، تكمن المشكلة الأكثر تعقيدًا في وجود وسيط نفوذ متجذر، وأشار سازغارا إلى محمد باقر قاليباف، رئيس
البرلمان الذي ترأس فريق التفاوض الإيراني، باعتباره الشخصية التي قد يحتاج المرشد الأعلى في نهاية المطاف إلى إزاحتها، لكن ليس من السهل التخلص منها".
وتابعت الصحيفة: "يرتبط قاليباف بالجيل الأول من الحرس الثوري الإيراني، ويقود جهازه السياسي الخاص، ويمتلك مصالح مالية وشبكات ولاء واسعة. وقال سازغارا: "إذا أراد خامنئي توطيد سلطته وقاوم قاليباف، فسيكون عليه في نهاية المطاف إزاحته. وإذا لم يرحل قاليباف بهدوء، فقد تتفاقم الأمور". في الحقيقة، إن هذا الخلل متأصل في نسيج الجمهورية الإسلامية؛ فمنذ انعقاد أول مجلس ثوري، انقلب الرجال الذين سُجنوا معًا على بعضهم البعض بمجرد أن أصبحت السلطة على المحك. وقال سازغارا، مشيرًا إلى مؤسس الجمهورية الإسلامية: "لم يفهم الخميني نفسه لماذا لم يتمكنوا من تشكيل أحزاب والتنافس فيما بينهم. بدلًا من ذلك، انتهى بهم الأمر إلى تدمير بعضهم بعضًا، ولم تُحل هذه المشكلة قط". ورأى سعيد بارزين، المحلل الإيراني المخضرم، أن السلطة حاليًا في يد ائتلاف من المحافظين البراغماتيين والإصلاحيين المعتدلين، مع تزايد نفوذ الحرس الثوري الإيراني".