وجد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس نفسه في موقع سياسي حساس، بعدما تولى الدفاع عن الاتفاق الأميركي - الإيراني داخل البيت الأبيض، في وقت يواجه فيه الاتفاق انتقادات واسعة من الجمهوريين في واشنطن.
وبحسب هيئة الإذاعة
البريطانية "BBC"، سُئل فانس، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الخميس، عمّا إذا كان الرئيس
دونالد ترامب قد وضعه في موقع "كبش الفداء" لاتفاق غير محبوب داخل الحزب
الجمهوري. ورد فانس قائلاً إن الرئيس "كان يمزح"، في إشارة إلى تعليق سابق لترامب قال فيه إنه قد يحمّل نائبه المسؤولية إذا انهار الاتفاق.
وخلال الأسبوع، دافع فانس بقوة عن مذكرة التفاهم مع
إيران، إلا أن مهمته بدت معقدة، خصوصاً بعدما ظهر في أكثر من محطة وكأنه يتلقى رسائل متناقضة من ترامب، أو يتحرك في ظل غموض بشأن تفاصيل الاتفاق وآلية توقيعه.
وكان فانس يستعد للمشاركة في مراسم توقيع محتملة في سويسرا مع مسؤولين إيرانيين، قبل أن يعلن البيت الأبيض، في وقت لاحق، أنه لن يسافر حالياً، في انتظار استكمال الترتيبات اللوجستية للمحادثات.
ورغم ذلك، قدّم فانس دفاعاً حاداً عن الاتفاق، وذهب أبعد من ترامب في انتقاد الرد
الإسرائيلي عليه، في موقف لافت زاد من حساسية موقعه داخل الإدارة والحزب الجمهوري.
وتأتي هذه التطورات في توقيت محرج بالنسبة إلى فانس، الذي نشر قبل أيام مذكرات جديدة أعادت فتح التكهنات بشأن احتمال ترشحه للرئاسة عام 2028.
وتشير "BBC" إلى أن مهمة فانس لن تكون سهلة داخل حزب منقسم بين جناح "ماغا" المناهض للتدخلات العسكرية، والذي عارض الحرب منذ البداية، وجمهوريين متشددين تجاه إيران يرون أن البيت الأبيض قدّم تنازلات كبيرة لطهران.
في المقابل، لا يواجه مسؤولون آخرون في الإدارة الضغط نفسه. فوزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يُنظر إليه كخصم محتمل لفانس في سباق 2028، بقي بعيداً نسبياً عن واجهة هذا الملف. أما
وزير الدفاع بيت هيغسيث، فدافع عن الحملة العسكرية، لكنه لم يكن الوجه الأساسي للمفاوضات الدبلوماسية.
ونقلت "BBC" عن استراتيجيين جمهوريين أن ملف إيران قد يتحول إلى عبء سياسي على فانس، خصوصاً أن ترامب معروف بإلقاء مسؤولية السياسات غير الشعبية على مرؤوسيه عند الحاجة.
ومع ذلك، ليس محسوماً أن ارتباط فانس بالاتفاق سينقلب عليه سياسياً. فإذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى اتفاق نهائي يحد من البرنامج النووي الإيراني، فقد يظهر فانس كأحد مهندسي إنجاز دبلوماسي مهم للولايات المتحدة وحلفائها.
لكن الطريق لا يزال صعباً. فالاتفاق الموقت لم يحسم الملفات التقنية الأشد تعقيداً، ولا يضمن أن أي تسوية طويلة الأمد سترضي المنتقدين داخل
الولايات المتحدة أو خارجها.
وتجلى الارتباك في الأيام الماضية مع إعلان الإدارة أن إيران وافقت على مذكرة التفاهم من دون نشر تفاصيلها فوراً. وحاول فانس توضيح البنود في مقابلات إعلامية، قائلاً إن إيران قد تحصل على إمكانية الوصول إلى صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار إذا التزمت شروط الاتفاق.
لكن ترامب قدّم رواية مختلفة بعد ساعات، واصفاً الحديث عن الصندوق بأنه "
أخبار كاذبة"، ومؤكداً أن الولايات المتحدة لن تدفع شيئاً. وعندما نُشر نص الاتفاق لاحقاً، تضمن بنداً يتحدث عن عمل واشنطن مع شركاء إقليميين لتطوير خطة متفق عليها لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
أما في الملف النووي، فقد كرر فانس موقف ترامب بأن الاتفاق يمثل خطوة أولى مهمة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، إلا أن النص لم يتناول المسألة النووية بالتفصيل، تاركاً إياها للجولة المقبلة من المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، كان فانس يروّج لكتابه الجديد عن إيمانه وتحوله إلى الكاثوليكية، إلا أن ظهوره الإعلامي بقي مشدوداً إلى ملف إيران، الذي طغى على كل شيء.
وزاد ترامب الغموض عندما قلل، خلال مؤتمر صحافي في فرنسا، من أهمية مذكرة التفاهم، متسائلاً عمّا إذا كانت وثيقة تستحق توقيعه. لكنه عاد ووقّع نسخة ورقية من الاتفاق أمام الكاميرات خلال عشاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر فرساي، ما طرح تساؤلات حول الحاجة إلى مراسم توقيع منفصلة لفانس في جنيف.
وفي ظل بقاء ترامب خارج البلاد، واصل فانس الدفاع عن الاتفاق في مواجهة انتقادات من جمهوريين في مجلس الشيوخ. وقال السيناتور بيل كاسيدي إن الاتفاق لم يحد من طموحات إيران النووية، وإن طهران تعلمت أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يعطيها نفوذاً مستقبلياً.
أما رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر، فاعتبر أن الاتفاق "بعيد تماماً" عن أهداف ترامب.
ورد فانس بالإشارة إلى تراجع أسعار الوقود، معتبراً أن الاتفاق بدأ يحقق فوائد للأميركيين. وقال إن واشنطن ستربح في كل الأحوال، فإذا غيرت إيران سلوكها ستتحقق نتائج كبيرة، وإذا لم تفعل فلن تخسر الولايات المتحدة شيئاً.
ومع وضع ترامب الملف في عهدة نائبه بشكل واضح، بات فانس أمام اختبار كبير: إما أن يتحول الاتفاق إلى إنجاز سياسي يعزز موقعه، أو إلى عبء يلاحقه في مرحلة ما بعد ترامب. (BBC)