قال مركز القدس للشؤون الأمنية "JCFA"، إنّ "الهجوم بطائرة مسيّرة على ناقلتين للغاز في ميناء دمياط الواقع على ساحل مصر المطلّ على البحر المتوسط في 29 تموز الماضي، لم يكن مجرد حادث أمني محليّ، بل كان أبعد من ذلك بكثير. فوفقاً لمسؤولين أمنيين كبار، قد يُمثّل هذا الهجوم نقطة تحوّل استراتيجية في المواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما في الشرق الأوسط".
وأضاف المركز الإسرائيليّ في تقرير ترجمه "
لبنان 24"، أنّه "للمرة الأولى، أصبح ميناء
مصري يُعدّ مركزاً رئيسياً لتخزين وتصدير الغاز الطبيعيّ هدفاً في الصراع الإقليميّ. فدمياط ليست مجرد ميناء تجاري عادي، فهي تحتضن واحدة من أهم منشآت تسييل الغاز في شرق البحر المتوسط، وتُعدّ مركزاً محورياً لتصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية. وبالتالي، فإنّ أيّ تعطيل لعملياتها يتجاوز الحدود المصرية وقد يؤثر على أسواق الطاقة العالميّة".
وتابع: "لقد أضفى الاعتراف الرسميّ المصريّ بأنّ طائرة مسيّرة هي التي نفذت الهجوم بُعداً جديداً تماماً على الحادث. فبعيداً عن الأضرار المادية الناجمة عنه، فإن مجرد اختراق الأراضي المصرية يُثير تساؤلات جدّية حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي وقدرة دول المنطقة على التصدي للتهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات الإيرانية المسيّرة البعيدة المدى".
وقال المركز إنّه "على الرغم من أنّ هوية الجهة المسؤولة عن الهجوم لا تزال غير واضحة، إلا أن المسؤولين الأمنيين يوجهون أنظارهم نحو المحور الموالي لإيران. وثمة إحتمال بأن تكون الطائرة المسيّرة قد أُطلقت من اليمن من قبل "الحوثيين"، الذين أثبتوا في السنوات الأخيرة قدرتهم على تشغيل طائرات مسيّرة بعيدة المدى لضرب أهداف
في إسرائيل والمملكة العربية
السعودية ومناطق أخرى في أنحاء المنطقة".
وأوضح أنّ "المسافة الفاصلة بين اليمن ودمياط تتجاوز 2000 كيلومتر، مما يعني أن الطائرة كان سيتعيّن عليها عبور مناطق تغطيها أنظمة رادار ودفاع جوي متطورة. وعليه، ورغم أنّ عملية كهذه ممكنة من الناحية الفنية، إلا أنها كانت ستكون مهمة معقدة للغاية".
وأشار المركز الإسرائيليّ إلى أنّه "ثمة إحتمال آخر يتمثّل في أنّ الطائرة المسيّرة أُطلقت من العراق بواسطة فصائل شيعية مدعومة من إيران. وعلى الرغم من أنّ المسافة في هذه الحالة ستكون أقصر بكثير، إلا أنّ عملية كهذه تتطلب عبور الطائرة المسيّرة للأجواء الأردنية أو
السورية أو
الإسرائيلية، وهو مسار يصعب تنفيذه من دون أنّ يتمّ رصده".
في المقابل، لفت مسؤولون أمنيون إلى أنّ "السيناريو الأكثر إثارة للقلق قد يكون ذلك الذي يحظى بأقل قدر من الاهتمام، وهو احتمال إطلاق الطائرة المسيّرة من مياه البحر الأبيض المتوسط ، باستخدام سفينة تجارية أو مدنية، أو حتى قارب صيد تمّ تحويله إلى منصة إطلاق".
ووفق المركز الإسرائيليّ، "من شأن أسلوب كهذا أنّ يُقلّص بشكلٍ كبير مسار تحليق الطائرة المسيّرة نحو الهدف، ويُتيح لها تجاوز بعض أنظمة الدفاع البرية، فضلاً عن جعل عملية الرصد المبكر أكثر صعوبة بكثير. وإذا كانت هذه هي الطريقة المستخدمة بالفعل، فإن التداعيات ستكون جسيمة، إذ قد تُصبح منشآت الطاقة والموانئ في أنحاء شرق المتوسط سواء في مصر أو
إسرائيل أو ربما في دول أخرى أهدافاً عرضة للخطر".
وأفاد أنّ "سيناريو كهذا يتطلب إعادة تقييم جذرية لعقيدة الدفاع البحري، وتعزيز التكامل بين أجهزة الاستخبارات والقوات البحرية وأنظمة الدفاع الجوي. ويرى مسؤولون سياسيون كبار أنّ الحادثة بالنسبة لمصر، تتجاوز بكثير مجرد ضربة محدودة النطاق استهدفت ميناءً، فهي تُمثّل هجوماً خطيراً يمسّ سيادة البلاد ومكانتها كركيزة أساسية للإستقرار الإقليمي".
وأضاف المسؤولون أنّ "
الولايات المتحدة تُواجه أيضاً إختباراً آخر. فإذا كان الهجوم قد نُفِّذ بالفعل من قِبَل إحدى الفصائل التابعة لـ"محور المقاومة"، فإنّه يُمثّل رسالة مباشرة إلى واشنطن مفادها أن إيران قادرة على توسيع نطاق ساحة المعركة وتهديد المصالح الأميركية، حتّى في المناطق التي كانت تُعتبر سابقاً آمنة نسبياً".
كذلك، قال المسؤولون إنّ "إسرائيل لا يُمكن أيضاً تجاهل هذا التطوّر. فإذا كانت الطائرة المسيّرة قد وصلت من جهة البحر الأبيض المتوسط أو عبرت مساحات جوية شاسعة من دون إعتراضها، فإن ذلك يُشكّل تحذيراً واضحاً بشأن الطبيعة المتغيّرة للتهديد الجوي في المنطقة".
وبحسب مسؤولين أمنيين، فإنّ "التداعيات تتجاوز مسألة حماية السكان المدنيين في إسرائيل، لتشمل أيضاً أمن منصات الغاز البحرية، والموانئ البحرية، وممرات الشحن التجاري، والبنية التحتية للطاقة في كافة أنحاء البحر الأبيض المتوسط، إذ قد تُصبح هذه الأصول جزءاً لا يتجزأ من بيئة الصراع المستقبلية في المنطقة".
وأضاف المركز الإسرائيليّ أنّه "من منظور طهران، يُؤدّي استهداف البنية التحتية للطاقة إلى رفع تكلفة المواجهة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها. فبدلاً من الاكتفاء بالمواجهة العسكرية المباشرة، تسعى إيران لإثبات أنّ أيّ تصعيد في الحرب قد يُصاحبه إضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاع في أسعار النفط والغاز، وتعطيل لحركة التجارة الدولية. وتُعدّ هذه وسيلة ضغط فعالة للغاية، لا سيما ضدّ أوروبا التي تتزايد اعتماديتها على مصادر بديلة للغاز الطبيعيّ".
وأضاف: "حتّى وإنّ واصلت طهران تجنّب تحمل المسؤولية المباشرة عن هجوم دمياط، يرى مسؤولون أمنيون أنّ الحادث يتماشى تماماً مع نهج إيران المعهود القائم على "الغموض العملياتيّ. فمن وجهة نظرهم، تستفيد إيران من استخدام وكلائها الإقليميين مع تجنب المواجهة التي قد تُؤدّي إلى ردّ فعل إنتقامي أوسع نطاقاً يستهدف طهران نفسها".
كم يُتيح هذا النموذج لإيران بحسب المركز، توجيه رسائل ردع، واختبار حدود ردود فعل خصومها، وتوسيع النطاق العملياتي لـ"محور المقاومة" تدريجياً، مع الحفاظ في الوقت عينه على هامش يسمح لها بإنكار مسؤوليتها سياسياً".
وفي هذا السياق أيضاً، أشار المسؤولون الأمنيون إلى أنّ "أهمية هجوم دمياط لا تكمن فقط في الأضرار التي ألحقها، بل تكمن بالأساس فيما قد يُنذر به: مرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية. فإذا ثبت أنّ الجهات المدعومة من إيران قادرة على ضرب بنية تحتية استراتيجية في مصر، فإن التداعيات ستكون جسيمة. إذ لن يقتصر الصراع حينها على إسرائيل أو البحر الأحمر أو الخليج العربيّ. وفي ظل هذه الظروف، ستجدّ كل من مصر وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها أنفسهم مضطرين لإعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية الإقليمية، إذ لن يقتصر التهديد بعد الآن على الحدود البرية فحسب، بل سيمتدّ ليشمل البحر الأبيض المتوسط وممرات الطاقة والمراكز الاقتصادية في المنطقة. وسيُشكّل ذلك تحولاً استراتيجياً من شأنه رسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات مُقبلة".
ويرى مسؤولو الدفاع الإسرائيليون أنّه "لدى مصر مصلحة واضحة في تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم في أسرع وقت ممكن. فأيّ ضرر يُلحق بصورة مصر كدولة مستقرّة قادرة على الحفاظ على الأمن على طول سواحلها والسيطرة على ممراتها البحرية قد يُؤثّر سلباً على مكانتها الإقليمية وعلى الاستثمارات الأجنبية في قطاعي الطاقة والغاز لديها".
وتابع المركز الإسرائيليّ: "إذا تبيّن أنّ الطائرة المسيرة قد اخترقت المجال الجوي المصري من دون أن ترصدها أنظمة الدفاع في البلاد لحظة وقوع الاختراق، فمن المُرجّح أنّ تستثمر القاهرة بكثافة في تحديث قدراتها على الرصد والاعتراض، وأنّ تُعزّز تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة".
وختم المركز قائلاً: "قد يتّضح أنّ هجوم دمياط يُمثّل أكثر من مجرد ضربة معزولة للبنية التحتية المصريّة، إذ قد يُشير إلى بروز بُعد جديد في الصراع الإقليمي، حيث يُصبح البحر المتوسط بموانئه وبنيته التحتية للطاقة ومسارات التجارة البحرية فيه عرضة بشكل متزايد للمنافسة الاستراتيجية بين إيران وخصومها. وإذا ثبتت صحة هذا التقييم، فقد تكون قواعد اللعبة في الشرق الأوسط بصدد التغيّر بالفعل".