كشف تحقيق لصحيفة "El País" الاسبانية عن مسار جديد في سياسة الترحيل الأميركية، يقوم على إرسال مهاجرين من الولايات المتحدة إلى دول أفريقية لا يعرفون عنها شيئاً، ومن دون إبلاغهم مسبقاً بوجهتهم أو الحصول على موافقتهم.
ويروي التحقيق قصة روبرتو موسكيرا، وهو كوبي يبلغ 59 عاماً، اعتقله جهاز الهجرة والجمارك الأميركي "ICE" خلال إحدى مواعيده مع سلطات الهجرة، ثم نقله إلى مركز احتجاز في كروم، وبعدها إلى مطار في تكساس، قبل ترحيله إلى إسواتيني في جنوب أفريقيا من دون موافقته. ومنذ ذلك الوقت، بقي محتجزاً في سجن مشدد الحراسة، بينما كان يسأل المسؤولين هناك باستمرار: "إلى متى ستبقونني مسجوناً هنا؟"
وبحسب الصحيفة، فإن موسكيرا ليس حالة فردية. فمنذ توقيع اتفاقات بملايين الدولارات بين واشنطن ونحو 14 دولة أفريقية، نُقل عشرات المهاجرين إلى القارة عبر رحلات يديرها "ICE"، غالباً من مطاري ألكسندريا في لويزيانا أو تكساس، في رحلات تتجاوز 20 ساعة. والآلية، كما يصفها التحقيق، واحدة تقريباً: لا يعرف أي مهاجر إلى أين يُرحّل إلا عندما تطأ قدماه أرضاً مجهولة.
وتشير بيانات أوردها التحقيق إلى أن الفترة الممتدة بين تموز 2025 وآب 2026 شهدت ما لا يقل عن 31 رحلة ترحيل مؤكدة إلى 12 دولة أفريقية، بينها غانا وغينيا الاستوائية وإسواتيني والكاميرون وسيراليون ورواندا وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيريا.
وعلى مدى أسابيع، تحدثت "El País" عبر مكالمات فيديو مع 10 مهاجرين من كوبا وهندوراس والبرازيل وكولومبيا، رُحّلوا إلى دول مثل ليبيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وإسواتيني وغينيا الاستوائية، وبقوا في ما وصفته الصحيفة بـ"الفراغ القانوني" الغامض.
المشكلة الأساسية، بحسب خبراء حقوقيين، أن هؤلاء عالقون بين 3 أطراف: الولايات المتحدة تقول إن مسؤوليتها انتهت بترحيلهم، والدولة الأفريقية المستقبلة لا تمنحهم وضعاً قانونياً دائماً، وبلدانهم الأصلية قد تكون أماكن يحظر القانون الدولي إعادتهم إليها بسبب خطر الاضطهاد أو التعذيب.
وتقول الصحيفة إن أياً من المهاجرين الذين تحدثت إليهم لم يُبلّغ بأنه سيُنقل إلى أفريقيا، ولم يوقع على موافقة بذلك. وبعضهم كان لا يزال يدافع عن طلب لجوء سياسي، فيما حصل آخرون من قضاة الهجرة في الولايات المتحدة على حماية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
وفي دول الوصول، تتشابه الصورة: بعضهم في سجون مشددة الحراسة، وآخرون في فنادق تحت رقابة السلطات، من دون جوازات أو وثائق إقامة أو بطاقات هوية تسمح لهم بالتحرك بشكل قانوني وآمن.
وتقول سافي آرفي، مديرة السياسات في منظمة "Human Rights First"، إن عمليات النقل هذه إلى دول ثالثة تشكل، في نظرها، "ترحيلاً غير قانوني"، وتندرج ضمن جهد أوسع من إدارة دونالد ترامب لتقويض نظام الحماية العالمي وإشراك دول أخرى في حملة الترحيل الجماعي.
في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن الحكومة ستستخدم "كل الوسائل القانونية المتاحة" لطرد من لا يملكون حق البقاء في الولايات المتحدة، مؤكداً أن التزام واشنطن بإنهاء الهجرة غير القانونية وتعزيز أمن الحدود "ثابت".
ويعرض التحقيق حالات إنسانية قاسية. ففي بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، يقول أريستيدس فرنانديز غارسيا، وهو كوبي يبلغ 37 عاماً ولم يكن مداناً بأي جريمة، إن أحداً لم يشرح له ما الخطة بشأن مصيره بعد أكثر من 40 يوماً من وصوله. وقال للصحيفة: "هذا يسمى اتجاراً بالبشر، نحن مخطوفون في هذا البلد، لا نملك أي ورقة".
وفي ليبيريا، يعيش الهندوراسي وليام أورتيز هيرنانديز القلق نفسه. فقد كان يتمتع بحماية تمنع ترحيله إلى بلده، لكنه وجد نفسه في دولة لا يعرفها، من دون بطاقة هوية تسمح له بالخروج بحرية، ويقول إنه يشعر كأنه "رُمي في مكب نفايات".
أما في غينيا الاستوائية، فتقول عائلات بعض المرحّلين إن السلطات سحبت منهم هواتفهم ومنعتهم من التواصل مع الصحافة، فيما تحدث محامون عن أشخاص يعانون السكري وأمراض القلب وضغط الدم، ولا يحصلون إلا على رعاية طبية محدودة.
وتكشف الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة أن الدول الأفريقية المستقبلة تملك حق قبول أو رفض المرحّلين، وأن بعضها يحتفظ بحق إعادة ترحيلهم إلى دول أخرى. كما تتضمن الاتفاقات ضمانات دبلوماسية بعدم تعريضهم للتعذيب أو الاضطهاد، لكن منظمات حقوقية تقول إن هذه الضمانات لا تُحترم عملياً.
وتخشى منظمات ومحامون من ظاهرة "الإعادة المتسلسلة"، أي أن ترحّل الولايات المتحدة الشخص إلى دولة أفريقية، ثم تقوم تلك الدولة بإعادته لاحقاً إلى البلد الذي كانت واشنطن قد منحته حماية من الترحيل إليه أصلاً.