تعود الحرب اليمنية إلى الواجهة من بوابة باب المندب، مع إطلاق عملية «فجر اليمن» التي أعلنت القوات الحكومية من خلالها تحقيق تقدم في مناطق استراتيجية على الساحل
الغربي، بينها مواقع في محيط مضيق باب المندب وذو باب، في محاولة لدفع الحوثيين بعيداً عن واحد من أكثر المواقع حساسية في خريطة الصراع اليمني. ويكتسب هذا التطور أهمية تتجاوز الجغرافيا اليمنية، نظراً إلى أن باب المندب يشكل حلقة وصل أساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وأحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
لكن لفهم أهمية المعركة الحالية، لا بد من العودة إلى بداية قصة الحوثيين، التي لم تبدأ في باب المندب ولا في صنعاء، بل في
صعدة شمال اليمن قبل أكثر من عقدين.
من صعدة بدأت القصة
ظهر الحوثيون، أو «أنصار الله»، خلال تسعينيات القرن الماضي كحركة دينية وسياسية في البيئة الزيدية شمال اليمن، قبل أن يتحولوا تدريجياً إلى قوة عسكرية منظمة. وبدأ الصدام المباشر مع الدولة عام 2004، عندما قاد حسين بدر الدين الحوثي تمرداً مسلحاً ضد حكومة الرئيس علي عبدالله صالح. وبعد مقتله، انتقلت قيادة الحركة إلى شقيقه عبدالملك الحوثي، واستمرت المواجهات في ما عُرف لاحقاً بـ«حروب صعدة».
وخلال ست جولات من القتال بين عامي 2004 و2010، حاولت الحكومة اليمنية
القضاء على التمرد، لكن الحوثيين تمكنوا من الحفاظ على وجودهم وتعزيز قدراتهم العسكرية والتنظيمية. ومع انتهاء الجولة السادسة بوقف لإطلاق النار، كانت الحركة قد تحولت من ظاهرة محلية محصورة إلى قوة أكثر تنظيماً وقدرة على استثمار التحولات السياسية التي ستشهدها البلاد لاحقاً.
من انهيار الدولة إلى سقوط صنعاء
جاءت احتجاجات عام 2011 لتشكل نقطة تحول حاسمة. فقد أدى سقوط نظام علي عبدالله صالح وانتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتفكك مراكز القوة السياسية والعسكرية، وهي ظروف استفاد منها الحوثيون لتوسيع نفوذهم خارج صعدة.
وبالتزامن مع الصراع السياسي، تقدم الحوثيون عسكرياً وسيطروا على مناطق جديدة، قبل أن يصلوا إلى صنعاء في أيلول 2014. وهناك تمكنوا من السيطرة على مؤسسات ومواقع رئيسية، فارضين واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً. والمفارقة أن الحركة التي خاضت سنوات من الحرب ضد صالح وجدت نفسها في مرحلة لاحقة متحالفة معه، قبل أن ينتهي هذا التحالف بمقتل صالح عام 2017 إثر اندلاع مواجهات بين الطرفين.
2015 الحرب تتحول إلى صراع إقليمي
مع تقدم الحوثيين جنوباً ووصول المواجهات إلى عدن، دخل اليمن مرحلة جديدة في آذار 2015، عندما تدخل تحالف بقيادة
السعودية دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة داخل اليمن، بل أصبحت جزءاً من مواجهة إقليمية، مع اتهامات للحوثيين بتلقي دعم من
إيران، في مقابل الدعم السعودي والإقليمي للقوى المناهضة لهم.
وخلال سنوات الحرب، تكرست خطوط تماس جديدة، وكان الساحل الغربي من أبرزها، نظراً إلى قربه من باب المندب وأهميته العسكرية والاقتصادية. وأصبحت مناطق مثل المخا وذو باب جزءاً من الحسابات العسكرية للأطراف المتصارعة، فيما بقي الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال وغرب البلاد.
حين انتقلت الحرب إلى البحر الأحمر
لم تبقِ الحرب اليمنية محصورة داخل الحدود. فبعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، بدأ الحوثيون استهداف سفن في البحر الأحمر، معلنين أن عملياتهم مرتبطة بالحرب وبموقفهم من
إسرائيل. وأدت هذه الهجمات إلى تدخل عسكري أميركي وبريطاني ضد مواقع حوثية، كما دفعت شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها والابتعاد عن البحر الأحمر.
وهنا اكتسب باب المندب أهمية مضاعفة. فالموقع الذي كان جزءاً من الجغرافيا العسكرية للحرب اليمنية أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن التجارة الدولية، فيما باتت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة إحدى أوراق القوة التي يستخدمونها في الصراع الإقليمي.
«فجر اليمن».. لماذا باب المندب الآن؟
في هذا السياق تأتي عملية «فجر اليمن». فاستعادة مواقع في محيط باب المندب، إذا ما تحولت إلى سيطرة ميدانية مستقرة، يمكن أن تشكل تراجعاً في نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي وتحد من قدرتهم على استخدام هذا الموقع الاستراتيجي كورقة عسكرية.
أما بالنسبة إلى السعودية، فإن تثبيت وجود القوات الحكومية في هذه المنطقة يعزز موقع الحكومة اليمنية ويحد من قدرة الحوثيين على الوصول إلى أحد أهم الممرات البحرية القريبة من المجال الاستراتيجي للمملكة، إضافة إلى أن استقرار الساحل الغربي يرتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
ماذا يعني ذلك للملاحة الدولية؟
بالنسبة إلى حركة الملاحة، فإن أهمية باب المندب تتجاوز اليمن بكثير. فالمضيق يشكل ممراً رئيسياً للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وأي تهديد أمني مستمر فيه ينعكس على زمن الرحلات وكلفة الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا، فإن نجاح القوات الحكومية في تثبيت سيطرتها حول باب المندب قد يخفف جزءاً من المخاطر الأمنية، لكن ذلك لا يعني تلقائياً عودة الملاحة إلى طبيعتها، إذ يبقى الأمر مرتبطاً بوقف الهجمات البحرية وقدرة الأطراف على الوصول إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استدامة.
بهذا المعنى، تبدو «فجر اليمن» أكثر من عملية عسكرية لاستعادة مواقع على الساحل. فهي تأتي بعد أكثر من عشرين عاماً على بداية تمرد الحوثيين في صعدة، وبعد سقوط صنعاء وتحول الحرب إلى صراع إقليمي، ثم انتقالها إلى البحر الأحمر.
ومن صعدة إلى صنعاء، ومن صنعاء إلى الساحل، ثم من الساحل إلى البحر الأحمر، تغيرت طبيعة الحوثيين وتغيرت معها طبيعة الحرب اليمنية. واليوم يعيد باب المندب فتح السؤال حول مستقبل الصراع: هل تكون السيطرة على المضيق بداية لتغيير خريطة النفوذ داخل اليمن، أم أن المعركة ستبقى حلقة جديدة في حرب طويلة اعتادت تغيير خطوطها من دون الوصول إلى نهايتها؟