أشار تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن شركات
النفط العالمية لا تزال ماضية قدمًا في استثماراتها في
الشرق الأوسط، رغم الحرب والتوترات الأمنية التي تشهدها المنطقة، مؤكدةً أن المخاطر الحالية لم تدفعها إلى التخلي عن واحدة من أغنى مناطق العالم بالاحتياطات النفطية والغازية.
وبحسب التقرير الّذي ترجمه "
لبنان 24"، فإن رؤساء كبرى شركات النفط العالمية، الذين شاركوا في مؤتمر كبير في لندن هذا الأسبوع، أجمعوا على أن الشرق الأوسط لا يزال منطقة قابلة للاستثمار، رغم الظروف الأمنية المعقدة.
وأوضح المسؤولون أن المنطقة تمتلك أعمق احتياطيات النفط والغاز في العالم، ما يجعلها أساسية بالنسبة إلى الشركات التي تسعى إلى تأمين مواردها ومشاريعها على المدى
الطويل.
وأشار التقرير إلى أن النشاط الاستثماري بدأ يتركز حاليًا في
العراق وسوريا، وخصوصًا العراق، حيث أبرمت شركة "كونوكو فيليبس" صفقة كبيرة، بينما تجري شركة "شيفرون" مفاوضات بشأن حقل نفطي ضخم.
لكن اهتمام الشركات لا يتوقف عند الصفقات الحالية، إذ تتطلع أيضًا إلى فرص مستقبلية في
السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين تمتلكان، وفق التقرير، بعضًا من أفضل أنواع النفط من حيث الجودة والأقل كلفة من حيث الإنتاج.
ولفتت "فايننشال تايمز" إلى أن السعودية والإمارات حافظتا تقليديًا على سيطرة قوية على مواردهما النفطية، في ظل امتلاكهما شركتي نفط وطنيتين ضخمتين، إلا أن شركات النفط العالمية تراهن على إمكانية حدوث إعادة تقييم لهذه السياسات بعد انتهاء الحرب، بما قد يفتح المجال أمام صفقات أكثر جاذبية ويتيح للشركات الأجنبية وصولًا أكبر إلى هذه الموارد.
وفي المقابل، لا تزال المخاطر الأمنية تشكل عقبة أساسية أمام توسع شركات النفط في المنطقة. وأشار التقرير إلى استمرار وجود فصائل مدعومة من
إيران في العراق، إضافة إلى الهجمات التي يشنها الحوثيون على البنية التحتية النفطية في السعودية، ما يفرض على الشركات احتساب المخاطر الأمنية ضمن خططها الاستثمارية.
كما يبرز مضيق هرمز كأحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، نظرًا إلى أهميته في نقل النفط من المنطقة إلى الأسواق العالمية. ووفق التقرير، فإن نفوذ
إيران على المضيق يشكل مصدر قلق للشركات، خصوصًا في ظل الصعوبة التي تواجهها حاليًا عمليات إخراج النفط من المنطقة ونقله إلى الخارج.
وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت شركات النفط التفكير في حلول بديلة، من بينها إنشاء خطوط أنابيب جديدة تسمح بنقل النفط وتخفف الاعتماد على طرق الشحن التي يمكن أن تتأثر بأي اضطرابات في مضيق هرمز.
ورغم ذلك، يرى قطاع النفط أن التعامل مع البيئات غير المستقرة ليس أمرًا استثنائيًا. ونقلت الصحيفة عن مراسلها لشؤون الطاقة أن الوصول إلى النفط والغاز في كثير من مناطق العالم ينطوي أصلًا على تحديات، سواء بسبب عدم الاستقرار السياسي، أو صعوبة ظروف التشغيل، أو الحاجة إلى تنفيذ عمليات استخراج معقدة، بما في ذلك الحفر في أعماق البحار.
وبالتالي، فإن الشركات الكبرى لا تعتبر المخاطر الحالية سببًا كافيًا للانسحاب من الشرق الأوسط، خصوصًا أنها معتادة على العمل في ظروف صعبة، بينما تبقى جاذبية الاحتياطات النفطية والغازية في المنطقة عاملًا أكثر أهمية في قراراتها طويلة الأمد.
ويرى التقرير أن هذا التوجه يعكس كذلك تغيرًا في استراتيجية شركات النفط العالمية بعد سنوات من عدم اليقين بشأن مستقبل الطلب على الخام. فقد كانت الشركات تشعر بالقلق من احتمال تسارع التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، وما قد يترتب على ذلك من تراجع الحاجة إلى النفط.
إلا أن الشركات عادت في الفترة الأخيرة إلى التركيز على زيادة احتياطاتها وبناء مجموعة طويلة الأجل من المشاريع، في محاولة لإظهار قدرتها على مواصلة الإنتاج وتلبية الطلب المستقبلي.
وفي هذا الإطار، يمثل الشرق الأوسط خيارًا استراتيجيًا بالنسبة إليها، إذ إن الشركات التي تتوقع استمرار الحاجة إلى كميات كبيرة من النفط خلال 2030 و2040 وما بعدهما تسعى إلى الوصول إلى المناطق التي تجمع بين وفرة الموارد وجودة النفط وانخفاض كلفة الإنتاج.
وبحسب "فايننشال تايمز"، فإن الحرب الحالية لا تلغي هذه الحسابات طويلة الأمد، بل إن شركات النفط تبدو مستعدة للنظر إلى ما بعد الأزمة الراهنة، والاستمرار في البحث عن فرص استثمارية في المنطقة، مع إدراكها أن الوصول إلى مواردها يتطلب التعامل مع تحديات أمنية ولوجستية وسياسية معقدة.
ويخلص التقرير إلى أن الشرق الأوسط لا يزال يحتفظ بموقع محوري في استراتيجية شركات النفط العالمية، وأن ضخامة موارده وانخفاض كلفة إنتاجه يجعلان من الصعب على الشركات الكبرى تجاهله، حتى في ظل استمرار الحرب والتوترات التي تعيد رسم المشهد الأمني والاقتصادي في المنطقة.