دخلت سوق النفط عام 2026 وهي تعاني من فائض في المعروض لا من نقص فيه، إذ بلغت المخزونات العالمية المرصودة في تشرين الأول 2025 أعلى مستوى لها في أربع سنوات عند نحو 8 مليارات و30 مليون برميل، وكانت التوقعات كلها تتحدث عن أسعار منخفضة وصراع بين المنتجين على الحصص، غير أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت أواخر شباط قلبت المعادلة رأساً على عقب، بعدما ردّت طهران بإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الذي كان يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم، لتبدأ عملية سحب من المخزونات لم تشهد الأسواق مثيلاً لها في زمن السلم.
أرقام النزيف
تكشف المعطيات المتراكمة منذ آذار أن السحب لم يكن تدريجياً بل جاء على شكل موجات حادة، ففي شهري آذار ونيسان وحدهما تراجعت المخزونات العالمية بنحو 250 مليون برميل، أي بمعدل 4 ملايين برميل يومياً، بالتوازي مع تجاوز الخسائر التراكمية لإمدادات الخليج مليار برميل وتوقف أكثر من 14 مليون برميل يومياً عن الإنتاج. ثم عادت الوتيرة لتتسارع في الصيف، إذ هبطت المخزونات بنحو 69 مليون برميل في تموز مع تجدد تعطل الصادرات من الخليج وبحر قزوين، وخسرت 95 مليون برميل في آب منفرداً، ليصل إجمالي ما سُحب منذ بدء الحرب إلى 507 ملايين برميل، وهو ما يعادل، بحساب بسيط، نحو 6 في المئة من المخزون العالمي الذي كان متاحاً قبل الحرب، استُهلكت خلال أقل من ستة أشهر.
الاحتياط الاستراتيجي: إلى انكماش
لجأت الدول المستهلكة إلى مخزوناتها الاستراتيجية في محاولة لاحتواء الصدمة، فوافقت 32 دولة عضواً في وكالة الطاقة الدولية على سحبٍ منسّقٍ بحجم 400 مليون برميل هو الأكبر في التاريخ، تساهم فيه
الولايات المتحدة وحدها بـ172 مليون برميل، إلا أن هذه الكميات لم تكفِ لسد الفجوة، بل أدت إلى تآكل الاحتياطات نفسها، إذ تراجع إجمالي المخزون الأميركي من الخام، التجاري والاستراتيجي، في حزيران إلى أدنى مستوى منذ آذار 1985، فيما باتت حيازات الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي عند مستوى لم تعرفه منذ 1982. وحذّر مدير الوكالة مطلع أيلول من أن المخزونات التجارية تنضب بسرعة ولم يتبقَّ منها سوى ما يكفي لأسابيع، وأن السحب من الاحتياطات الاستراتيجية أضاف 2.5 مليون برميل يومياً إلى السوق لكنه ليس بلا نهاية، علماً أن الاحتياطات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء بلغت أدنى مستوياتها منذ أزمة ليبيا عام 2011.
لم تكن الحرب في الخليج وحدها مسؤولة عن الضغط، فقد وسّعت
أوكرانيا هذا العام بشكل كبير ضرباتها على قطاع النفط الروسي، مستهدفة مصافي ومنشآت طاقة تبعد حتى 3000 كيلومتر عن حدودها، ما دفع
موسكو إلى حظر صادرات "الديزل" بعد الأضرار التي لحقت بمصافيها، وهو ما فاقم أزمة الإمدادات وأوصل أسعار "الديزل" إلى مستويات قياسية. ورغم إعلان الرئيس الأميركي منتصف أيلول عن هدنة طاقة بين البلدين، فإن المسيّرات الأوكرانية ضربت بعد أيام إحدى أكبر المصافي الروسية وأوقفت عملها تقريباً. ومع ذلك، تُظهر المقارنة أن الأثر الأوكراني يبقى أصغر حجماً، إذ تراجعت صادرات الخليج بنحو 152 مليون برميل بين آذار وآب، مقابل انخفاض بنحو 68 مليوناً في الصادرات الروسية خلال الفترة نفسها، لكن خطورته تكمن في تركّزه على المشتقات، حيث تقل مخزونات "الديزل" في الولايات المتحدة بنحو 12 في المئة عن متوسط السنوات الخمس.
لماذا لا يهبط السعر رغم انهيار الطلب؟
المفارقة أن الطلب العالمي يتراجع بوتيرة لم تُسجَّل منذ الجائحة، إذ يُتوقع أن ينخفض بـ2.5 مليون برميل يومياً في 2026، في حين يُتوقع أن يتراجع المعروض بـ5.7 ملايين برميل يومياً، مع بقاء أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج خارج السوق، وهذا الفارق بين الرقمين هو ما يفسّر بقاء الأسعار مرتفعة، بعدما صعد برنت بنحو 80 في المئة منذ بداية العام، وإن ظل دون ذروته البالغة نحو 126 دولاراً في نيسان. وتبقي الهجمات على الناقلات علاوة المخاطر قائمة، فقد سُجل نحو اثني عشر هجوماً بين 28 أيلول و2 تشرين الأول وحدها، فيما يتأرجح برنت فوق مستوى 100 دولار مع امتداد التوتر إلى البحر الأحمر واستهداف الحوثيين للعمق السعودي.
ما بعد الحرب: فاتورة إعادة الملء
حتى لو أُعيد فتح هرمز غداً، فإن الأسواق لن تعود سريعاً إلى ما كانت عليه، لأن جزءاً من السحب الأميركي جرى على شكل مبادلة تفرض إعادة الكميات إلى الاحتياطي مع براميل إضافية في وقت لاحق، ما يعني أن طلباً حكومياً ضخماً سيضاف إلى السوق في مرحلة إعادة الملء، في وقت تتوقع التقديرات أن يرتفع المعروض بـ8.3 ملايين برميل يومياً العام المقبل وأن يعود الطلب للنمو بـ2.4 مليون. وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو المدة التي سيستغرقها التوصل إلى ترتيب ملاحي مستقر في المضيق، لأن كل شهر إضافي من الإغلاق يُترجم سحباً جديداً من مخزون بات أقرب إلى خطوطه الحمراء، وكلفة أعلى تتحملها الاقتصادات المستوردة للطاقة، وفي مقدّمها الدول الصغيرة التي لا تملك احتياطات تحميها من تقلبات أسعار "الديزل" والبنزين.