يستعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) لبدء مفاوضات خلال شهر تشرين الأول الجاري، بهدف تحديد الاحتياجات العسكرية للدول الأعضاء في حال اندلاع مواجهة مع روسيا، بما يشمل أعداد القوات والأسلحة والمعدات المطلوبة، إلى جانب آليات تمويل هذه الاحتياجات.
وتهدف المحادثات إلى رسم أهداف القدرات الدفاعية للحلف حتى عام 2029، وتحديد المتطلبات العسكرية الخاصة بكل دولة من الدول الأعضاء الـ32. وتأتي هذه الخطوة في ظل تحذيرات أوروبية من احتمال أن تصبح روسيا قادرة على مهاجمة إحدى دول الحلف بحلول ذلك العام.
وتزداد أهمية هذه المفاوضات مع دراسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، الأمر الذي قد يضع الدول الأوروبية أمام تحديات تتعلق بتأمين قدرات أساسية، من بينها طائرات التزود بالوقود جواً، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، فإن المفاوضات ستختبر مدى استعداد الدول الأعضاء لزيادة إنفاقها الدفاعي، وقدرة أوروبا على تحمل مسؤوليات عسكرية أكبر بعيداً عن الاعتماد على واشنطن، فضلاً عن الدور الذي يمكن أن تؤديه التقنيات الحديثة، كالذكاء الاصطناعي والروبوتات، في تطوير القدرات العسكرية للحلف.
ومن المنتظر أن تبدأ الدول الأعضاء مناقشة الإطار العام للأهداف الجديدة، المعروف باسم "التوجيه السياسي"، في خطوة تمثل المرحلة الأولى من عملية التخطيط الدفاعي للناتو، المؤلفة من خمس مراحل.
واستناداً إلى مقابلات أجرتها "بوليتيكو" مع 15 مسؤولاً ودبلوماسياً حالياً وسابقاً في الحلف، تبرز خمسة ملفات رئيسية يُتوقع أن تؤثر في مسار المفاوضات المقبلة.
أولاً: حجم الطموح العسكري للناتو
يتمثل التحدي الأساسي أمام الدول الأعضاء في تحديد حجم القوات والقدرات العسكرية التي ينبغي توفيرها للدفاع عن الحلف، وهو ما يُعرف داخل الناتو باسم "مستوى الطموح".
وفي السابق، اتفقت الدول الأعضاء على ضرورة الاحتفاظ بـ18 لواءً عسكرياً احتياطياً، يضم كل منها نحو خمسة آلاف جندي، إضافة إلى القوات المخصصة للعمليات العسكرية الكبرى. وكان الهدف من هذه الألوية توفير قوات إضافية للمهمات الأصغر وإدارة الأزمات خارج أراضي الحلف، كما حصل خلال العمليات في أفغانستان وكوسوفو.
لكن الضغوط الأميركية لدفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، ضمن توجه يُشار إليه باسم "الناتو 3.0"، قد تفتح الباب أمام إعادة النظر في هذه المتطلبات، وصولاً إلى تقليصها أو الاستغناء عن بعضها.
ومن المتوقع أيضاً أن يبحث الحلفاء تسريع عملية التخطيط الدفاعي لمواكبة التطورات التكنولوجية المتلاحقة في ساحات القتال، بما فيها الذكاء الاصطناعي والروبوتات الأرضية، فضلاً عن تحديد أشكال الدعم التقليدي الذي تحتاج إليه الدول النووية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، بما يشمل القوات البرية والطائرات والقدرات غير النووية.
وتلقي المراجعة التي تجريها وزارة الدفاع الأميركية بشأن انتشار قواتها في أوروبا بظلالها على هذه النقاشات. فقد سحبت واشنطن، خلال العام الجاري، عدداً من الأصول العسكرية التي يمكن وضعها في خدمة الحلف، بينها قاذفات استراتيجية ومقاتلات وطائرات مسيّرة وغواصات وسفن حربية.
ومن المقرر أن تظهر نتائج المراجعة الأميركية في كانون الأول المقبل، أي في منتصف المفاوضات، ما يثير مخاوف من انعكاسها على سير المحادثات، خصوصاً إذا قررت واشنطن سحب قدرات تحتاج إليها الدول الأوروبية، مثل طائرات النقل العسكري الثقيلة.
وفي حال تقلص الوجود الأميركي، سيجد الحلفاء أنفسهم أمام ضرورة البحث عن بدائل سريعة، وسط خلافات محتملة بشأن كيفية توزيع الأعباء المالية والعسكرية، في وقت تواجه فيه الموازنات الأوروبية ضغوطاً متزايدة.
ومن الحلول المطروحة الانتقال من تحديد أنواع محددة من الأسلحة المطلوبة إلى إسناد مهمات عسكرية واضحة لكل دولة. فبدلاً من مطالبة دولة بتوفير نوع معين من الصواريخ، يمكن تكليفها بتطوير قدرة تتيح استهداف مراكز القيادة الروسية.
وقد يمنح هذا الأسلوب الدول الأوروبية مرونة أكبر، ولا سيما تلك التي لا تستطيع الحصول على أسلحة أميركية متطورة، مثل صواريخ "توماهوك"، من خلال التركيز على النتائج العسكرية المطلوبة بدلاً من ربطها بمنظومات تسليح بعينها.
ثانياً: التباينات بشأن التهديدات الإقليمية
قد يؤدي التركيز المتزايد على روسيا إلى خلافات بين الدول الأعضاء حول أولويات الأمن والدفاع، خصوصاً أن بعض الدول ترى ضرورة عدم إهمال التهديدات القادمة من مناطق أخرى.
فعلى المستوى الرسمي، يعتمد الناتو مفهوم الأمن الشامل بزاوية 360 درجة، بما يعني التعامل مع المخاطر من مختلف الاتجاهات. إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا منذ عام 2022 دفعت الحلف إلى تركيز اهتمامه بصورة أكبر على الجبهة الشرقية.
كما اتجه اهتمامه خلال العام الماضي نحو الشمال، مع إطلاق مهمة عسكرية في منطقة القطب الشمالي، في خطوة ارتبطت إلى حد كبير بالضغوط التي مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غرينلاند.
في المقابل، تطالب دول أخرى بإعطاء أهمية أكبر للجناحين الجنوبي والجنوبي الشرقي، حيث تتعدد التحديات الأمنية، من وجود مرتزقة روس في ليبيا، إلى مخاوف استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي والأمني، فضلاً عن تنامي نشاط الغواصات والهجمات بالطائرات المسيّرة على السفن في البحر الأسود.
وبذلك، لن يقتصر الخلاف على حجم القدرات العسكرية المطلوبة، بل سيمتد إلى تحديد المناطق التي تستحق الحصة الأكبر من الاهتمام والموارد الدفاعية.
ثالثاً: الطائرات المسيّرة في مواجهة الأسلحة التقليدية
فرضت الطائرات المسيّرة، التي أصبحت من أبرز أدوات القتال في الحرب الأوكرانية، واقعاً جديداً على الجيوش، ما يضع الناتو أمام نقاش حول كيفية الموازنة بين الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة والمحافظة على الأسلحة التقليدية، مثل الدبابات والمدفعية.
وتعمل دول الحلف على تطوير قدراتها في هذا المجال. فقد أعلنت بريطانيا خلال العام الجاري خططاً لبناء "أسطول هجين" يعتمد بصورة متزايدة على القطع البحرية ذاتية التشغيل، بما فيها المركبات غير المأهولة تحت الماء من طراز "تايب 93".
أما فرنسا، فقد خصصت نحو 8.4 مليارات يورو للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة، وهي أسلحة تستطيع التحليق في منطقة معينة قبل مهاجمة أهدافها.
وفي ألمانيا، يجري التحضير لإنشاء أول فوج عسكري متخصص بالطائرات المسيّرة خلال العام المقبل.
وتعكس هذه الخطوات اتجاهاً نحو دمج التكنولوجيا غير المأهولة في العمليات العسكرية، من دون أن يحسم ذلك الجدل بشأن حجم الإنفاق الذي ينبغي تخصيصه لها مقارنة بالمنظومات التقليدية.
رابعاً: الروبوتات لمواجهة نقص الجنود
لا يرتبط التوسع في استخدام الروبوتات والطائرات المسيّرة بالتقدم التكنولوجي وحده، بل يرتبط أيضاً بالصعوبات التي تواجهها دول أوروبية في استقطاب العدد الكافي من الأفراد للخدمة العسكرية.
وفي هذا السياق، أشار رئيس مجموعة الضغط الأوروبية للصناعات الجوية والأمنية والدفاعية، كاميل غراند، إلى أن شيخوخة المجتمعات الأوروبية ونقص القوى البشرية يشكلان عاملين أساسيين يدفعان نحو زيادة الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة.
وبالتالي، قد تمثل هذه التقنيات وسيلة لتخفيف النقص في أعداد الجنود، مع تعزيز القدرة على تنفيذ المهمات العسكرية وتقليل الاعتماد على العنصر البشري في بعض العمليات.
لكن التحدي يتمثل في مواكبة التطور الروسي من دون استنزاف الميزانيات الدفاعية. وفي هذا الإطار، لفت الأميرال الفرنسي فاندييه إلى أن روسيا تنتج تسعة ملايين طائرة مسيّرة سنوياً، معتبراً أن بلوغ مستوى مماثل يتطلب من الناتو بذل جهود استثنائية.
ومن بين الأفكار المطروحة اعتماد نموذج يشبه الاشتراكات الدورية لتحديث المعدات العسكرية، بحيث تُطوَّر المكونات التقنية للمنظومات باستمرار بدلاً من الاعتماد على معدات ثابتة قد تصبح متقادمة خلال فترة قصيرة.
ويهدف هذا التصور إلى جعل الأنظمة العسكرية أكثر قدرة على التكيف مع التطورات المتسارعة، وتجنب ارتفاع كلفة استبدالها بالكامل كلما ظهرت تقنيات جديدة.
خامساً: دروس الحرب الأوكرانية
تحتل التجربة الأوكرانية موقعاً مهماً في النقاشات الدفاعية داخل الناتو، إذ يرى عدد كبير من أعضائه أن الجيش الأوكراني بات يمتلك خبرة قتالية واسعة وقدرات تكنولوجية يمكن الاستفادة منها في تعزيز أمن الحلف.
وتشمل المجالات التي حققت فيها أوكرانيا تطوراً ملحوظاً الطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والصواريخ، إضافة إلى نظام "دلتا" لإدارة العمليات العسكرية، الذي يجمع المعلومات الميدانية وينسقها لتوفير صورة شاملة عن ساحة المعركة ودعم اتخاذ القرارات.
وتدفع هذه الخبرات بعض الدول إلى المطالبة بتوسيع التعاون العسكري والصناعي مع كييف، للاستفادة من ابتكاراتها والتجارب التي راكمتها خلال الحرب.
لكن في المقابل، تحذر دول أخرى من تعميم الدروس الأوكرانية على جميع السيناريوهات العسكرية، نظراً إلى الاختلاف بين طبيعة الحرب الدائرة هناك والعقيدة القتالية للناتو، التي تقوم على المناورة السريعة، وتحقيق التفوق الجوي، وتنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة.
وبحسب هذا الرأي، لا ينبغي أن يؤدي التركيز على تجربة أوكرانيا إلى تبني استراتيجية تقوم بالضرورة على حرب استنزاف طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، قال القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، أمام البرلمان الأوروبي في وقت سابق من الشهر الجاري، إن الصراع الأوكراني يقدم دروساً كثيرة ينبغي استخلاصها والاستفادة منها، لكنه شدد على أن الناتو لا يريد خوض حرب مماثلة.
وتكشف هذه الملفات الخمسة أن مفاوضات الناتو لن تقتصر على تحديد أعداد الجنود والأسلحة، بل ستتناول أيضاً مستقبل الإنفاق الدفاعي، وتوزيع المسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأولويات الانتشار الجغرافي، ومدى قدرة التكنولوجيا الحديثة على تغيير طبيعة الحروب. وتبقى كيفية تحويل هذه التوجهات إلى التزامات عسكرية قابلة للتنفيذ، بحلول عام 2029، أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الحلف.