في الثامن من تشرين الأول أعلنت وزارة الخزانة الأميركية حزمة عقوبات طالت 55 جهة، بينها سبع عشرة ناقلة قالت إنها تشكّل ما تبقى من أسطول الظل الإيراني، مؤكدة أن أحداً من المتورطين في الالتفاف على العقوبات لن يكون بمنأى عن سلطتها، وبعد أسبوع واحد فقط كشف مسؤول أميركي أن الإدارة تدرس السماح لناقلات خاضعة للعقوبات بنقل نفط غير محظور لخفض أجور الشحن القياسية، بالتزامن مع ترخيص يسمح بتوريد الديزل الروسي حتى نيسان المقبل. وهذا التناقض في غضون أيام يختصر المفارقة التي بات يعيشها نظام العقوبات، إذ يُلاحَق الأسطول بيد ويُستعان به باليد الأخرى.
فالعقوبات التي فُرضت على
روسيا وإيران وفنزويلا لم تُخرج نفط هذه الدول من السوق، بل دفعت إلى نشوء منظومة كاملة موازية تضم ناقلات قديمة يُعاد تسجيلها تحت أعلام دول صغيرة، وشركات تأمين خارج المظلة الغربية، وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، ومصافي آسيوية تشتري مع حسم. وتشير التقديرات إلى أن الناقلات المرتبطة بهذه المنظومة باتت تمثل نحو خُمس الأسطول العالمي، فيما يتجاوز عدد السفن الخاضعة للعقوبات الأميركية 1500 سفينة، ما يعني أن أي محاولة لإخراجها كلياً من الخدمة ستترك فراغاً لا تستطيع السوق تعويضه بسرعة، خصوصاً مع اضطراب الملاحة في هرمز بفعل الحرب مع
إيران.
وفي هذه السوق، لا يبدو أن الدول المعاقَبة هي الرابح الأول، لأنها تبيع بحسم وتتحمل كلفة شحن وتأمين أعلى، فيما يحصد الوسطاء ومالكو الناقلات هوامش مرتفعة مقابل المخاطرة، وتحصل المصافي في الصين والهند على خام أرخص يعزز قدرتها التنافسية، ليصبح الاقتصاد الموازي عملياً شبكة مصالح عابرة للحدود يصعب تفكيكها بقرار واحد.
أما الكلفة غير المحسوبة فتبقى في البحر، إذ تتألف غالبية هذا الأسطول من ناقلات تجاوز عمرها خمسة عشر عاماً، بعضها يعمل بتأمين من شركات روسية أو بلا تأمين موثوق، ما يجعل أي حادث تسرب أو اصطدام كارثة بيئية بلا جهة قادرة على التعويض، وهو ما يفسر تمسك
الأوروبيين والبريطانيين بتشديد القيود في الوقت الذي تفكر فيه واشنطن بتخفيفها، علماً أن شركات التأمين تبقى ملزمة بالقوانين الأوروبية حتى لو تراجعت
الولايات المتحدة.
ولا يمكن فصل الحسابات الأميركية عن الداخل، فسعر برميل برنت تجاوز المئة دولار، وسعر الغالون في محطات الوقود تخطى أربعة دولارات قبل أسابيع من الانتخابات النصفية، فيما يحذر خبراء الشحن من أن الخطوة قد لا تخفض أجور النقل كثيراً لأن معظم الناقلات المعاقبة تعمل أصلاً.
ويكشف ذلك أن العقوبات تتحول تدريجياً من أداة ضغط ثابتة إلى صمام يُشدّ ويُرخى بحسب حرارة السوق والاستحقاقات السياسية، وهو تحول يضعف قدرتها على الردع، لأن الدول المستهدفة باتت تدرك أن الأسطول الذي بنته للتحايل قد يصبح في لحظة الأزمة حاجة لمن فرض عليها العقوبات.