اعتبر مقال رأي نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية أن النمو الاقتصادي لا يتحدد فقط بحجم الإنفاق العام، بل بوجهته، داعياً إلى عدم الاكتفاء بخفض النفقات وإنما إلى تغيير بنيتها، في وقت تقترب فيه فرنسا من التصويت على موازنة عام 2027.
ووقّع المقال مسؤولان، أحدهما مدير الشؤون العامة في اتحاد الصناعات الكيميائية الفرنسي "فرانس شيمي"، والآخر مدير الدراسات في معهد "ريكسكود" للأبحاث الاقتصادية، استهلّاه باستعارة من مسرحية "الملك أوبو" للكاتب ألفريد جاري، متسائلَين على طريقة بطلها: "ألا يساوي الإنفاق السيئ الإنفاق الجيد؟"، ليخلصا إلى أن النوعين لا يختلفان إذا اقتصر النظر على رصيد الموازنة، في حين يكمن الفارق كله في ما يتركه كل منهما للبلاد.
وأشار الكاتبان إلى أن ضرورة ضبط الإنفاق العام باتت موضع توافق واسع، في ظل خفض توقعات النمو لعام 2026 إلى 0.5%، واقتراب الدين العام من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، واحتمال أن تبلغ كلفة الفوائد 80 مليار يورو. ورأيا أن فرنسا، التي تحتل المرتبة الأولى بين الدول الأوروبية الكبرى في نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي، اختارت عبئاً مالياً ضخماً ومستوى ضريبياً مكلفاً للاقتصاد، غير أن تقليص حجم الإنفاق لا يكفي بحد ذاته من دون إعادة تشكيل مكوّناته.
يورو التقاعد ويورو البحث
وبحسب المقال، فإن حجم الجهد المالي لا يعكس وحده مدى جدواه، إذ قد يكون ليورو يتم توفيره القيمة المحاسبية نفسها ليورو آخر، لكن مع نتائج اقتصادية متعاكسة. ولذلك يرى الكاتبان أن الموازنة يجب أن توضح ليس فقط ما يجري توفيره، بل أيضاً ما يجري التخلي عنه.
وضرب الكاتبان مثلاً بأن اليورو الذي يُدفع لمعاش تقاعدي يفي بعقد اجتماعي ويحقق منفعة فورية لمستحقّه، في حين أن اليورو الذي يُدفع لتوظيف باحث لا يقتصر على تسديد راتب، بل قد يتيح لاحقاً تسجيل براءة اختراع أو ابتكار عملية إنتاجية أو تأسيس شركة وتحقيق صادرات، ومن ثم توليد إيرادات ضريبية جديدة، معتبرَين أن للإنفاقين الكلفة الآنية نفسها، لكن أثرهما على الإنتاج المستقبلي مختلف.
ولفت المقال إلى أن فرنسا تحتل المرتبة الأولى في الإنفاق على التقاعد، لا على البحث أو التعليم، مستنداً إلى محاكاة نشرها صندوق النقد الدولي عام 2025، تفيد بأن إعادة توجيه نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي من نفقات التشغيل الإداري نحو رأس المال البشري في اقتصاد متقدم يمكن أن ترفع الإنتاج بنحو 3% على مدى خمسة وعشرين عاماً، فيما تحقق إعادة توجيه مماثلة نحو البحث والتطوير مكسباً مشابهاً.