طرح
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال اجتماعه الأسبوع الماضي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، استعداد موسكو للتوسط بين
واشنطن وطهران بهدف التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، في خطوة تعكس سعي الكرملين إلى تعزيز حضوره
الدبلوماسي واستثمار علاقاته الوثيقة بإيران. لكن موقع «Responsible Statecraft» يرى أن الطريق أمام الوساطة الروسية لا يزال محفوفاً بعقبات سياسية وإقليمية، تجعل فرص نجاحها محدودة.
وبحسب الموقع، تخشى موسكو أن يؤدي اتساع رقعة الحرب إلى زعزعة الاستقرار في الخليج العربي ومناطق أخرى، رغم استفادتها اقتصادياً من ارتفاع أسعار الطاقة. كما تمنحها شراكتها مع طهران، إلى جانب خبرتها في الملف
النووي، فرصة لطرح نفسها طرفاً قادراً على المساعدة في كسر الجمود بين الجانبين، ولا سيما في
ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم
الإيراني.غير أن هذه العلاقة لا تعني بالضرورة امتلاك
روسيا نفوذاً كافياً لدفع
إيران إلى تقديم تنازلات. ويشير الموقع إلى أن طبيعة الشراكة بين البلدين شهدت تحولات منذ اندلاع الحرب في
أوكرانيا عام 2022، حين ازدادت أهمية الدعم الإيراني لموسكو، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة. أما اليوم، فتسعى روسيا إلى توسيع دعمها لطهران، بما يشمل المساعدات الإنسانية وشراء الحبوب، فضلاً عن احتمال تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في بعض المجالات العسكرية.
ويبرز نقل اليورانيوم المخصب من إيران إلى الخارج أحد المسارات التي يمكن أن تطرحها موسكو لتسهيل التوصل إلى تفاهم نووي، لكن محدودية تجاوب طهران مع هذه الفكرة حتى الآن تقلص فرص تحقيق تقدم سريع.
وفي تقييمه للعقبات أمام الوساطة، يلفت «Responsible Statecraft» إلى أن الظروف التي أفضت إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 لم تعد متوافرة بالقدر نفسه. فالتوصل إلى تسوية آنذاك استند إلى استعداد الأطراف المعنية لقبول تنازلات متبادلة، فيما لا تبدو واشنطن وطهران اليوم مستعدتين للتراجع عن مطالبهما الأساسية بما يسمح بإطلاق مسار تفاوضي فعّال.
وتواجه موسكو معضلة إضافية تتمثل في التوقعات الأميركية من دورها. فالرئيس
دونالد ترامب قد ينتظر من بوتين ممارسة ضغوط على إيران لتليين موقفها، في حين يسعى الكرملين بدوره إلى الاستفادة من العلاقة مع واشنطن لدفعها نحو الضغط على أوكرانيا. وإذا عجزت روسيا عن إقناع طهران بتقديم تنازلات، فستتراجع قيمة دورها الوسيط في الحسابات الأميركية.
ولا تقتصر العقبات على العلاقة مع واشنطن وطهران، إذ يشير الموقع إلى أن دعم موسكو لإيران يثير شكوك دول الخليج في قدرتها على أداء دور الوسيط المحايد. فرغم رغبة دول مجلس التعاون الخليجي في الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، فإنها تنظر بحذر إلى دعمها لطهران، وسط مخاوف من أن يسهم هذا الدعم في تعزيز القدرات
الإيرانية على تهديد أمن المنطقة. كما أن علاقات موسكو بالحوثيين تزيد تعقيد محاولاتها التوفيق بين شراكتها مع إيران ومصالحها مع الدول الخليجية.
ويرى الموقع أن طموحات روسيا في صياغة منظومة أمن إقليمي جديدة تصطدم بقدرات محدودة على فرض تسويات، فيما لا يبدو أن مقترحها للأمن الجماعي يحظى بإمكانات عملية كافية للتحول إلى إطار قابل للتطبيق.
وفي المقابل، لا تعاني واشنطن وطهران نقصاً في قنوات التواصل أو الأطراف القادرة على نقل الرسائل بينهما، في ظل وجود وسطاء محتملين، من بينهم سلطنة عُمان وقطر وباكستان وتركيا. وتكمن المشكلة الأساسية، وفق الموقع، في غياب أرضية مشتركة تسمح للطرفين بالتوصل إلى تسوية، لا في نقص الوسطاء.
وبناءً على ذلك، يخلص «Responsible Statecraft» إلى أن موسكو قد تتمكن من تسهيل الاتصالات بين
الولايات المتحدة
وإيران، لكنها لا تملك بالضرورة الأدوات اللازمة لردم الهوة بين موقفيهما. وفي ظل استمرار الخلافات، قد تجد روسيا في الحرب فرصة لتعزيز مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية وتوسيع نفوذها الإقليمي، أكثر مما تجد فيها فرصة حقيقية لإنجاز تسوية تنهي الصراع.